الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك

[ ص: 160 ] خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق ، قبحه الله وأبعده .

قال الواقدي ، والمدائني : بويع له بالخلافة يوم مات عمه هشام بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر ، سنة خمس وعشرين ومائة .

وقال هشام بن الكلبي : بويع له يوم السبت في ربيع الآخر . وكان عمره إذ ذاك أربعا وثلاثين سنة . وكان سبب ولايته أن أباه يزيد بن عبد الملك كان قد جعل الأمر من بعده لأخيه هشام ثم من بعده لولده الوليد هذا ، فلما ولي هشام أكرم ابن أخيه الوليد حتى ظهر عليه أمر الشراب وخلطاء السوء ومجالس اللهو ، فأراد هشام أن يقطع ذلك عنه ، فأمره على الحج سنة ست عشرة ومائة ، فأخذ معه كلاب الصيد خفية من عمه ، فيقال : إنه جعلها في صناديق ، فسقط منها صندوق فيه كلب ، فسمع صوته ، فأحالوا ذلك على الجمال ، فضرب على ذلك .

[ ص: 161 ] قالوا : واصطنع الوليد قبة على قدر الكعبة ومن عزمه أن ينصب تلك القبة فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك ، واستصحب معه الخمور وغير ذلك من المنكرات ، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه من الجلوس فوق ظهر الكعبة ; خوفا من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك ، فلما تحقق عمه ذلك منه نهاه مرارا ، فلم ينته ، واستمر على حاله القبيح ، وعلى فعله الرديء ، فعزم عمه على خلعه من الخلافة - وليته فعل - وأن يولي بعده مسلمة بن هشام وأجابه إلى ذلك جماعة من الأمراء ، ومن أخواله ، ومن أهل المدينة ومن غيرهم ، وليت ذلك تم ، ولكن لم ينتظم حتى قال هشام يوما للوليد : ويحك ! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا ، فإنك ما تدع شيئا من المنكرات إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر . فكتب إليه الوليد :


يا أيها السائل عن ديننا ديني على دين أبي شاكر     نشربها صرفا وممزوجة
بالسخن أحيانا وبالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمة ، وكان يكنى أبا شاكر ، وقال له : يعيرني بك الوليد بن يزيد وأنا أريد أن أرقيك إلى الخلافة ؟ وبعثه على الموسم سنه تسع عشرة ومائة ، فأظهر النسك والوقار واللين ، وقسم بمكة والمدينة أموالا ، فقال مولى لأهل المدينة [ ص: 162 ]

يا أيها السائل عن ديننا     ديني على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها     ليس بزنديق ولا كافر

ووقعت بين هشام وبين الوليد بن يزيد وحشة عظيمة بسبب تعاطي الوليد ما كان يتعاطاه من الفواحش والمنكرات ، فتنكر له هشام وعزم على خلعه وتولية ولده مسلمة ولاية العهد ، ففر منه الوليد إلى الصحراء ، وجعلا يتراسلان بأقبح المراسلات ، وجعل هشام يتوعده وعيدا شديدا ويتهدده ، ولم يزل كذلك حتى مات هشام ، والوليد في البرية ، فلما كانت الليلة التي قدم في صبيحتها عليه البرد بالخلافة ; قلق الوليد تلك الليلة قلقا شديدا ، وقال لبعض أصحابه : ويحك ! قد أخذني الليلة قلق عظيم ، فاركب لعلنا ننبسط ، فسارا ميلين يتكلمان في هشام وما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد والوعيد ، ثم رأيا من بعد رهجا وأصواتا وغبارا ، ثم انكشف ذلك عن برد يقصدونه بالولاية ، فقال لصاحبه : ويحك ! إن هذه رسل هشام اللهم أعطنا خيرها . فلما اقتربت البرد منه وتبينوه ترجلوا إلى الأرض ، وجاءوا فسلموا عليه بالخلافة ، فبهت وقال : ويحكم ! أمات هشام ؟ قالوا : نعم . قال : فمن بعثكم ؟ قالوا : سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل . وأعطوه الكتاب فقرأه ، ثم سألهم عن أحوال الناس ، وكيف مات عمه هشام فأخبروه ، فكتب من فوره بالاحتياط على أموال هشام وحواصله بالرصافة وقال :


ليت هشاما عاش حتى يرى     مكياله الأوفر قد طبعا
كلناه بالصاع الذي كاله     وما ظلمناه به إصبعا [ ص: 163 ]
وما أتينا ذاك عن بدعة     أحله الفرقان لي أجمعا

ثم سار إلى دمشق ، واستعمل العمال ، وجاءته البيعة من الآفاق ، وجاءته الوفود ، وكتب إليه مروان بن محمد - وهو إذ ذاك نائب إرمينية وأذربيجان - يبارك له في خلافة الله له على عباده والتمكين في بلاده ، ويهنئه بموت هشام وظفره به ، والتحكم في أمواله وحواصله ، ويذكر له أنه جدد البيعة له في بلاده ، وأنهم فرحوا واستبشروا بذلك ، ولولا خوفه من الثغر لاستناب عليه وركب بنفسه إليه ، شوقا إلى رؤيته ، ورغبة في مشافهته ، ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادي الرأي ، وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان ، لكل إنسان خادما ، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف لعيالات المسلمين ، وزاد في أعطيات الناس ، ولا سيما أهل الشام والوفود ، وكان كريما ممدحا شاعرا مجيدا ، لا يسأل شيئا قط فيقول : لا . ومن شعره في ذلك قوله يمدح نفسه بالكرم :


ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق     بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة     وأعطية مني إليكم تبرع
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم     به تكتب الكتاب شهرا وتطبع

[ ص: 164 ] وفي هذه السنة عقد الوليد البيعة لابنه الحكم ثم عثمان على أن يكونا وليي العهد من بعده ، وبعث البيعة إلى يوسف بن عمر أمير العراق وخراسان فأرسلها إلى نائب خراسان نصر بن سيار ، فخطب بذلك نصر خطبة عظيمة بليغة طويلة ساقها ابن جرير بكمالها . واستوسق للوليد الممالك في المشارق والمغارب ، وأخذت البيعة لولديه من بعده في الآفاق ، وكتب الوليد إلى نصر بن سيار بالاستقلال بولاية خراسان ، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فسأله أن يرد إليه ولاية خراسان ، فردها إليه كما كانت في أيام هشام وأن يكون نصر بن سيار ونوابه من تحت يده ، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يستوفده إلى أمير المؤمنين بأهله وعياله ، وأن يكثر من استصحاب الهدايا والتحف ، فحمل نصر بن سيار ألف مملوك على الخيل ، وألف وصيفة ، وشيئا كثيرا من أباريق الفضة والذهب ، وغير ذلك من التحف ، وكتب إليه الوليد يستحثه سريعا ، ويطلب منه أن يحمل معه طنابير وبرابط ومغنيات وبازات وبراذين فرها ، وغير ذلك من آلات الطرب والفسق ، فكره الناس ذلك منه وكرهوه ، وقال المنجمون لنصر بن سيار : إن الفتنة قريبا ستقع بالشام . فجعل يتثاقل في سيره ، فلما أن كان ببعض الطريق جاءته البرد ، فأخبروه بأن الخليفة الوليد قد قتل ، وهاجت الفتنة العظيمة في الناس بالشام فعدل بما معه إلى بعض المدن ، فأقام بها ، وبلغه أن يوسف بن عمر قد هرب من العراق واضطربت الأمور ، وذلك بسبب قتل الخليفة على ما سنذكره ، وبالله المستعان .

[ ص: 165 ] وفي هذه السنة ولى الوليد يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ولاية المدينة ومكة والطائف وأمره أن يقيم إبراهيم ، ومحمدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مهانين لكونهما خالي هشام ثم يبعث بهما إلى يوسف بن عمر نائب العراق فبعثهما إليه ، فما زال يعذبهما حتى ماتا ، وأخذ منهما أموالا كثيرة .

وفي هذه السنة ولى يوسف بن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري قضاء المدينة .

وفيها بعث الوليد بن يزيد إلى أهل قبرس جيشا مع أخيه ، وقال : خيرهم فمن شاء أن يتحول إلى الشام ، ومن شاء أن يتحول إلى الروم . فكان منهم من اختار جوار المسلمين بالشام ومنهم من انتقل إلى بلاد الروم .

قال ابن جرير : وفيها قدم سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، ولاهز بن قريظ ، وقحطبة بن شبيب مكة فلقوا - في قول أهل السير - محمد بن علي فأخبروه بقصة أبي مسلم فقال : أحر هو أم عبد ؟ فقالوا : أما هو فيزعم أنه حر ، وأما مولاه فيزعم أنه عبد . فاشتروه فأعتقوه ، ودفعوا إلى محمد بن [ ص: 166 ] علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألفا ، وقال لهم : لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا ، فإن مت فإن صاحبكم إبراهيم بن محمد - يعني ابنه - فإنه ابني ، فأوصيكم به . ومات محمد بن علي في مستهل ذي القعدة في هذه السنة بعد أبيه علي بسبع سنين .

وفيها قتل يحيى بن يزيد بن علي بخراسان . وحج بالناس فيها يوسف بن محمد الثقفي أمير مكة والمدينة والطائف ، وأمير العراق يوسف بن عمر ، وأمير خراسان نصر بن سيار ، وهو في همة الوفود إلى الوليد بن يزيد أمير المؤمنين بما معه من الهدايا والتحف ، فقتل الوليد قبل أن يجتمع به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث