الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ذكر من توفي فيها من الأعيان

علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز أبو الحسن الأسدي مولاهم ، الكوفي

المعروف بالكسائي
; لإحرامه في كساء ، وقيل : لاشتغاله على حمزة الزيات في كساء . النحوي اللغوي أحد أئمة القراء ، أصله من الكوفة ، ثم استوطن بغداد ، فأدب الرشيد وولده الأمين ، وقد قرأ على حمزة بن حبيب الزيات قراءته ، وكان يقرئ بها ، ثم اختار لنفسه قراءة ، فكان يقرأ بها .

روى عن أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وغيرهما ، وعنه يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيد .

وقد قال الشافعي : من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي .

[ ص: 670 ] وقد كان الكسائي أخذ عن الخليل صناعة النحو ، فسأله يوما : عمن أخذت هذا؟ قال : من بوادي الحجاز . فرحل الكسائي إلى هناك ، فكتب عن العرب شيئا كثيرا ، ثم عاد - ومن همته العود - إلى الخليل ، فإذا هو قد مات ، وتصدر في موضعه يونس ، فجرت بينهما مناظرات أقر له فيها يونس وأجلسه في موضعه .

قال الكسائي : صليت يوما بالرشيد ، فأعجبتني قراءتي ، فغلطت غلطة ما غلطها صبي ، أردت أن أقول : لعلهم يرجعون [ الأعراف : 168 ] . فقلت : لعلهم يرجعين . فما تجاسر الرشيد أن يردها ، لكن لما سلمت قال : أي لغة هذه؟ فقلت : إن الجواد قد يعثر . فقال : أما هذا فنعم .

وقال بعضهم : لقيت الكسائي فإذا هو مهموم ، فقلت : ما لك؟ فقال : إن يحيى بن خالد قد وجه إلي يسألني عن أشياء ، فأخشى من الخطأ . فقلت له : قل ما شئت فأنت الكسائي . فقال : قطعه الله - يعني لسانه - إن قلت ما لم أعلم .

وقال الكسائي : قلت يوما لنجار : بكم هذان البابان؟ فقال : بسلحتان يا مصفعان .

توفي الكسائي في هذه السنة على المشهور ، عن سبعين سنة . وكان في [ ص: 671 ] صحبة الرشيد ببلاد الري ، فمات بنواحيها هو ومحمد بن الحسن أيضا في يوم واحد ، فكان الرشيد يقول : دفنت الفقه والعربية بالري .

قال القاضي ابن خلكان : وقيل : إن الكسائي توفي بطوس سنة ثنتين وثمانين ومائة . فالله أعلم .

وقد رأى بعضهم الكسائي في المنام ووجهه كالبدر ، فقال له : ما فعل ربك بك ؟ فقال : غفر لي بالقرآن . فقلت : ما فعل حمزة ؟ قال : ذاك في عليين ، ما نراه إلا كما نرى الكوكب .

محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني مولاهم ، صاحب أبي حنيفة ، أصله من قرية من قرى دمشق ، قدم أبوه العراق ، فولد بواسط سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، ونشأ بالكوفة ، فسمع من أبي حنيفة ، ومسعر ، والثوري ، وعمر بن ذر ، ومالك بن مغول ، وكتب عن مالك بن أنس ، والأوزاعي ، وأبي يوسف ، وسكن بغداد وحدث بها ، وكتب عنه الشافعي حين قدمها في سنة أربع وثمانين ومائة وقر بعير ، وولاه الرشيد قضاء الرقة ، ثم عزله وخرج مع الرشيد إلى الري فمات بها .

[ ص: 672 ] وكان يقول لأهله : لا تسألوني حاجة من حاجات الدنيا فتشغلوا قلبي ، وخذوا ما شئتم من وكيلي ، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي . وقال الشافعي : ما رأيت حبرا سمينا مثله ، ولا رأيت أخف روحا منه ، ولا أفصح منه ، كنت إذا سمعته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته .

وقال أيضا : ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن ، كان يملأ العين والقلب .

قال الطحاوي : كان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير ، فلم يجبه إلى الإعارة ، فكتب إليه :

قل للذي لم تر عي نا من رآه مثله     حتى كأن من رآه
قد رأى من قبله     العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله
لعله     يبذله لأهله لعله

قال : فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية .

وقال إبراهيم الحربي : قلت لأحمد بن حنبل هذه المسائل [ ص: 673 ] الدقاق من أين هي لك؟ قال : من كتب محمد بن الحسن .

وكانت وفاة محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد من هذه السنة ، فقال الرشيد : دفنت اليوم اللغة والفقه جميعا . وكان عمر محمد بن الحسن ثمانيا وخمسين سنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث