الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي فيها من الأعيان

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :

الجاحظ المتكلم المعتزلي .

وإليه تنسب الفرقة الجاحظية منهم ، وهو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي البصري ، المعروف بالجاحظ ; لجحوظ عينيه ، ويقال له : الحدقي . وكان شنيع المنظر سيئ المخبر رديء الاعتقاد ينسب إلى البدعة ، وربما جاوز به بعضهم إلى الانحلال حتى يقال في المثل : يا ويح من كفره الجاحظ والله أعلم بحاله . وكان بارعا فاضلا ، قد أتقن علوما كثيرة ، وصنف كتبا جمة تدل على قوة ذهنه وجودة تصرفه . ومن أجل كتبه كتاب " الحيوان " ، وكتاب " البيان والتبيين " .

قال ابن خلكان : وهما أحسن مصنفاته وأمتعها ، وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه . وذكر : أنه أصابه الفالج في آخر عمره ، وحكى عنه أنه قال : أنا من جانبي الأيسر مفلوج ، لو قرض بالمقاريض ما علمت وجانبي [ ص: 515 ] الأيمن منقرس فلو مرت به ذبابة لألمت ، وبي حصاة وأشد ما علي ست وتسعون سنة . وكان ينشد :


أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب     لقد كذبتك نفسك ليس ثوب
دريس كالجديد من الثياب

وعبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي ، صاحب المسند المشهور ، وقد سمعناه بعلو ، وعبد الله بن هاشم الطوسي . والخليفة أبو عبد الله محمد المعتز بالله بن جعفر المتوكل على الله في رجب - كما تقدم - ومحمد بن عبد الرحيم الملقب صاعقة .

ومحمد بن كرام .

المتكلم الذي تنسب إليه الفرقة الكرامية . وقد نسب إليهم جواز وضع الأحاديث على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وغيرهم ; وهو محمد بن كرام - بفتح الكاف وتشديد الراء ، على وزن جمال - بن [ ص: 516 ] عراق بن حزابة بن البراء ، أبو عبد الله السجستاني العابد ، يقال : إنه من بني نزار . ومنهم من يقول : محمد بن كرام - بكسر الكاف وتخفيف الراء - جمع كريم . وفرق البيهقي بينهما ، فجعل الذي ينسب إليه الكرامية - بفتح الكاف وتشديد الراء - وهو الذي سكن بيت المقدس إلى أن مات بها ، وجعل الآخر شيخا من أهل نيسابور . والصحيح الذي يظهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحاكم ، والحافظ أبي القاسم ابن عساكر أنهما واحد .

وقد روى ابن كرام عن علي بن حجر وعلي بن إسحاق الحنظلي السمرقندي ، سمع منه التفسير عن محمد بن مروان عن الكلبي وإبراهيم بن يوسف الماكياني ومالك بن سليمان الهروي وأحمد بن حرب وعتيق بن محمد الجرشي وأحمد بن الأزهر النيسابوري وأحمد بن عبد الله الجويباري ومحمد بن تميم الفارياني - وكانا كذابين وضاعين - وغيرهم .

[ ص: 517 ] وعنه محمد بن إسماعيل بن إسحاق وأبو إسحاق بن سفيان وعبد الله بن محمد القيراطي وإبراهيم بن الحجاج النيسابوري .

وذكر الحاكم : أنه حبس في حبس طاهر بن عبد الله ، فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام ثم عاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله فطال حبسه وكان يتأهب لصلاة الجمعة ، ويأتي إلى السجان فيقول : دعني أخرج إلى الجمعة . فيمنعه السجان ، فيقول : اللهم إنك تعلم أن المنع من غيري . وقال غيره : أقام ببيت المقدس أربع سنين ، وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مشهد عيسى عليه السلام ، واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم أنه يقول : إن الإيمان قول بلا عمل . فتركه أهلها ونفاه متوليها إلى غور زغر فمات بها ، ونقل إلى بيت المقدس وكانت وفاته في صفر من هذه السنة .

وقال الحاكم : توفي ببيت المقدس ليلا ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء عليهم السلام ، وله ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث