الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان :

أحمد بن طولون .

أبو العباس
أمير الديار المصرية ، وباني الجامع بها ، المنسوب إليه ، وقد ملك دمشق والعواصم والثغور مدة طويلة ، وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد بن سامان الساماني ، عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين ، ويقال : إلى الرشيد في سنة تسعين ومائة .

ولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة ، وقيل : في سنة عشرين ومائتين . [ ص: 588 ] ومات أبوه طولون في سنة ثلاثين ، وقيل : في سنة أربعين ومائتين .

وحكى ابن خلكان أنه لم يكن ابنه وإنما تبناه . والله أعلم .

وحكى ابن عساكر أنه من جارية تركية اسمها هاشم .

ونشأ أحمد هذا في صيانة وعفاف ودراسة للقرآن العظيم ، مع حسن الصوت ، وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرمات والأشياء المنكرات ، وكانت أمه جارية اسمها هاشم .

وحكى الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " عن بعض مشايخ مصر أن طولون لم يكن أباه ، وإنما كان قد تبناه ، وأنه كان ظاهر النجابة من صغره ، وأنه اتفق أن بعثه طولون في حاجة ليأتيه بها من قصر الإمارة ، فذهب ، فإذا حظية من حظايا أبيه مع بعض الخدم في فاحشة ، فأخذ حاجته التي أمره بها ، وكر راجعا إليه سريعا ، ولم يخبره بشيء مما رأى من ذلك ، فتوهمت الحظية أن يكون أحمد قد أخبر طولون بما رأى ، فجاءت إلى طولون فقالت : إن أحمد [ ص: 589 ] جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي ، وانصرفت إلى قصرها ، فوقع في نفسه صدقها ، فاستدعى أحمد ، وكتب معه كتابا ، وختمه إلى بعض الأمراء : أن إذا وصل إليك حامل هذا الكتاب فاضرب عنقه ، وابعث برأسه سريعا إلي . فذهب أحمد وهو لا يدري ما في الكتاب ، فاجتاز في طريقه بقصر تلك الحظية ، فاستدعته إليها ، فقال : إني مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى فلان . فقالت : هلم ، فلي إليك حاجة - وأرادت أن تحبسه عندها ; ليكتب لها كتابا ، لتحقق في ذهن الملك ما ذكرته من أمره ، وأرسلت بذلك الكتاب مع الخادم الذي كانت هي وإياه على الفاحشة وجلس أحمد يكتب لها الكتاب ، وذهب ذلك الخادم إلى ذلك الأمير بالكتاب ، فلما قرأه أمر بضرب عنقه ، وأرسل برأسه إلى الملك طولون ، فتعجب الملك وقال : أين أحمد ؟ فطلب له ، فقال : ويحك ، أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من بين يدي ؟ فأخبره بما جرى من الأمر ، ولما سمعت تلك الحظية بأن رأس الخادم قد أتي به إلى الملك سقط في يديها ، وتوهمت أن الملك قد تحقق الحال ، فقامت إليه [ ص: 590 ] تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم ، واعترفت بالحق وبرأت ساحة أحمد ، فحظي عنده ، وأوصى له بالملك من بعده .

ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتز ، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين ، فأحسن إلى أهلها إحسانا كثيرا ، وأنفق فيهم من بيت المال ومن صدقاته ، واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار ، وبنى بها الجامع ، وغرم عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار ، وكان فراغه في سنة تسع وخمسين ، وقيل : في سنة ست وستين . وكانت له مائدة في كل يوم يحضرها الخاص والعام ، وكان يتصدق في كل شهر من خالص ماله بألف دينار . وقال له وكيله يوما : إنه تأتيني المرأة وعليها الإزار وبذلة وهيئة فتسألني أفأعطيها ؟ فقال : من مد يده إليك فأعطه .

وكان من أحفظ الناس لتلاوة القرآن ، ومن أطيبهم صوتا به .

وقد قيل - فيما حكاه ابن خلكان : إنه قتل صبرا نحوا من ثمانية عشر ألف نفس . والله أعلم . وبنى البيمارستان ، فغرم عليه ستين ألف دينار ، وعلى الميدان مائة وخمسين ألفا ، وكان له صدقات كثيرة جدا ، وإحسان زائد ، ثم ملك دمشق بعد أميرها أماجور في سنة أربع وستين ومائتين ، فأحسن إليهم أيضا .

[ ص: 591 ] واتفق أنه وقع بها حريق عند كنيسة مريم ، فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الحافظ الدمشقي ، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي ، ثم أمر كاتبه أن يخرج من مال الأمير سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدور والأموال التي أحرقت ، فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكروه ، وبقي أربعة عشر ألف دينار ، فأمر بها أن توزع عليهم على قدر حصصهم ، ثم أمر بمال عظيم يفرق على فقراء دمشق وغوطتها ، فأقل ما حصل للفقير دينار ، رحمه الله .

ثم خرج إلى أنطاكية فحاصر بها صاحبها سيما حتى قتله ، وتسلم البلد - كما ذكرنا ذلك فيما تقدم - ثم كانت وفاته بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة من علة أصابته من أكل لبن الجواميس ، فأصابه ذرب ، فداواه الأطباء ، فلم يقبل منهم ، فكان يأكل منه في الخفية ، فمات . رحمه الله .

وقد ترك من الأموال والأثاث والدواب شيئا كثيرا جدا ; من ذلك عشرة آلاف ألف دينار ، وكان له ثلاثة وثلاثون ولدا ; منهم سبعة عشر ذكرا ، فقام [ ص: 592 ] بالأمر من بعده ولده خمارويه ، وسيأتي ما كان من أمره .

وكان له من الغلمان أربعة وعشرون ألف غلام ، ومن الموالى سبعة آلاف مولى ، ومن البغال والخيل والجمال شيء كثير جدا .

قال ابن خلكان : وإنما تغلب على البلاد لاشتغال الموفق طلحة ابن المتوكل عنه بحرب صاحب الزنج وقد كان الموفق نائب أخيه المعتمد على الله - وهو والد المعتضد - رحمهم الله .

وأحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سهل الكاتب .

صاحب كتاب " الخراج " ، قاله ابن خلكان .

وأحمد بن عبد الله بن البرقي .

وأسيد بن عاصم الجمال .

وبكار بن قتيبة المصري .

في ذي الحجة من هذه السنة .

[ ص: 593 ] والحسن بن زيد العلوي .

صاحب طبرستان في رجب من هذه السنة ، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام ، وقام بالأمر من بعده أخوه محمد بن زيد ، وكان الحسن بن زيد كريما جوادا ممدحا يعرف الفقه والعربية ، قال له شاعر في جملة قصيدة مدحه بها :


الله فرد وابن زيد فرد

فقال : ويلك ، لا تقل ، هلا قلت :


الله فرد وابن زيد عبد

ثم نزل عن سريره ، وخر ساجدا لله - عز وجل - وألصق خده بالتراب ، ولم يعط ذلك الشاعر شيئا .

وامتدحه بعضهم فقال في أول قصيدته :


لا تقل بشرى ولكن بشريان     عزة الداعي ويوم المهرجان

فقال له الحسن بن زيد : لو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن ، وأبعد لك أن تبتدئ شعرك بحرف " لا " . فقال له الشاعر : ليس في الدنيا كلمة أجل من قول : لا إله إلا الله . فقال : أصبت . وأمر له بجائزة سنية .

[ ص: 594 ] والحسن بن علي بن عفان العامري .

وداود بن علي .

الأصبهاني
ثم البغدادي الفقيه الظاهري ، إمام أهل الظاهر ، روى عن أبي ثور ، وإبراهيم بن خالد ، وإسحاق بن راهويه ، وسليمان بن حرب ، وعبد الله بن سلمة القعنبي ، ومسدد بن مسرهد ، وغير واحد ، وروى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود ، وزكريا بن يحيى الساجي .

قال الخطيب : كان فقيها زاهدا وفي كتبه حديث كثير ، والرواية عنه عزيزة جدا ، وكانت وفاته ببغداد في هذه السنة ، وكان مولده في سنة مائتين ، وقيل : في سنة ثنتين ومائتين . وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في " طبقاته " أن أصله من أصبهان وولد بالكوفة ، ونشأ ببغداد وأنه انتهت إليه رياسة العلم بها ، وكان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب [ ص: 595 ] طيلسان أخضر ، وكان من المتعصبين للشافعي ، وصنف مناقبه .

وقال غيره : كان حسن الصلاة والتواضع .

وقد قال الأزدي : ترك حديثه . ولم يتابع الأزدي على ذلك .

لكن روي عن الإمام أحمد أنه تكلم فيه بسبب كلامه في القرآن ، وأن لفظه به مخلوق ، كما نسب إلى الإمام البخاري ، رحمه الله . قلت : وقد كان من الفقهاء المشهورين ، ولكن حصر نفسه بنفيه القياس الصحيح ، فضاق بذلك ذرعه في أماكن كثيرة من الفقه ، فلزمه القول بأشياء قطعية صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهم لمعنى النص .

وقد اختلف الفقهاء القياسيون بعده في الاعتداد بخلافه ، وأنه هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا ؟ على أقوال ليس هذا موضع بسطها .

وممن توفي فيها :

الربيع بن سليمان المرادي .

صاحب الشافعي وقد ترجمناه في " طبقات الشافعية "

والقاضي بكار بن قتيبة .

الحاكم بالديار المصرية من سنة ست [ ص: 596 ] وأربعين ومائتين إلى أن توفي مسجونا في حبس أحمد بن طولون ; لكونه لم يخلع الموفق في سنة سبعين ، وكان عالما عابدا زاهدا كثير التلاوة والمحاسبة لنفسه ، وقد شغر منصب القضاء بعده بمصر ثلاث سنين وقد بسط ابن خلكان ترجمته في الوفيات .

ابن قتيبة الدينوري .

عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري
قاضيها ، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة ، اشتغل ببغداد ، وسمع بها الحديث على إسحاق بن راهويه وطبقته ، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستاني وذويه ، وصنف وجمع وألف الكتب الكثيرة ; فمن ذلك كتاب " المعارف " " وأدب الكاتب " الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي ، وكتاب " مشكل القرآن والحديث " ، " وغريب القرآن والحديث " ، " وعيون الأخبار " ، " وإصلاح الغلط " ، وكتاب " الخيل " ، وكتاب " الأنواء " ، وكتاب " المسائل والجوابات " ، وكتاب " الميسر والقداح " ، وغير ذلك . وكانت وفاته في هذه السنة ، وقيل : في التي بعدها . ومولده في سنة ثلاث عشرة ومائتين ، ولم يجاوز الستين ، وروى عنه ولده أحمد جميع [ ص: 597 ] مصنفاته . وقد ولي ولده أحمد قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . وتوفي بها بعد سنة ، رحمه الله .

ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني .

ومحمد بن مسلم بن وارة .

ومصعب بن أحمد أبو أحمد الصوفي .

وكان من أقران الجنيد .

وفيها توفي ملك الروم ابن الصقلبية ، لعنه الله .

وفيها ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لاردة من بلاد الأندلس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث