الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 674 ] ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة

فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة ، وبروق خاطفة ، ورياح عاصفة ، فقوي لهوبها ، واشتد هبوبها ، فتدافعت لها أعنة مطلقات ، وارتفعت لها صعقات ، فرجفت لها الجدران ، واصطفقت ، وتلاقت على بعدها واعتنقت ، وثار بين السماء والأرض عجاج ، فقيل : لعل هذه على هذه قد انطبقت . ولا تحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد ، وعدا منها عاد ، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سرج النجوم ; ومزقت أديم السماء ، ومحت ما فوقه من الرقوم ، فكنا كما قال الله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق [ البقرة : 19 ] وكما قلنا : يردون أيديهم على أعينهم من البوارق . لا عاصم من الخطف للأبصار ، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار ، وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا ، ونفروا من دورهم خفافا وثقالا ; لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فاعتصموا بالمساجد الجامعة ، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ، بوجوه عانية ، ونفوس عن الأهل والمال سالية ، ينظرون من طرف [ ص: 675 ] خفي ، ويتوقعون أي خطب جلي ، قد انقطعت من الحياة علقهم ، وعميت عن النجاة طرقهم ، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون ، وقاموا إلى صلاتهم ، وودوا لو كانوا من الذين هم عليها دائمون إلى أن أذن الله في الركود ، وأسعف الهاجدين بالهجود ، وأصبح كل يسلم على رفيقه ، ويهنيه بسلامة طريقه ، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة ، وأفاق بعد الصيحة ، والصرخة ، وأن الله قد رد له الكرة ، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غرة ، ووردت الأخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار ، والأشجار في القفار ، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار ، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار . . . إلى أن قال : ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفا ، والقول مجزفا ، فالأمر أعظم ، ولكن الله سلم ، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما وعظنا ، ونبهنا بما ولهنا ، فما من عباده من رأى القيامة عيانا ، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا إلا أهل بلدنا ; فما قص الأولون مثلها في المثلات ، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات ، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها ، ولا تخبر عنا ، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور إذا عنا

وفيها كتب القاضي الفاضل من الديار المصرية إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج ، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم ، وحفظ حوزة الإسلام فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب : هذه الأوقات التي أنتم فيها [ ص: 676 ] عرائس الأعمار ، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار ، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه ، فتلك نعم الله عليه ، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه ، وسواد العجاج في هذه المواقف بياض ما سودته الذنوب من الصحائف ، فما أسعد تلك الوقعات ، وما أعود بالطمأنينة تلك الرجفات ، وكتب إليه أيضا : أدام الله ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر والطروس ، وحياة للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس ، وعرف المملوك‌ ما عرفه من الأمر الذي اقتضته المشاهدة ، وجرت به العاقبة في سرور ، ولا مزيد على تشبيه الحال بقوله :


ألم تر أن المرء تدوى يمينه فيقطعها عمدا ليسلم سائره

ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه ، ومن قلم من الأصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا ، ودفع عنه ضررا .


وتجشم المكروه ليس بضائر     ما خلته سببا إلى المحمود



وآخر كل شقوة أول كل غزوة ، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها ، وتجشم الكلف وحملها ، فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد ، وهو وجه الله ، صرف الله إليه الوجوه كلها والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين

وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين [ ص: 677 ] للفرنج فأقبلوا بقضهم ، وقضيضهم فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم وغنمهم وفتح يافا عنوة ؛ ولله الحمد والمنة .

وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكه سريعا ، وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة من غير قتال ولا نزال ، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة :


سلم الحصن ما عليك ملامه     ما يلام الذي يروم السلامه
فعطاء الحصون من غير حرب     سنة سنها ببيروت شامه



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث