الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

صفة أخذ الفرنج دمياط

لما انتهى الخبر بموت العادل إلى ابنه محمد الكامل ، وهو بثغر دمياط مرابط الفرنج ، أضعف ذلك أعضاد المسلمين وفشلوا ، ثم بلغ الكامل خبر آخر أن الأمير أحمد بن علي بن المشطوب ، وكان أكبر أمير بمصر ، قد أراد أن يبايع للفائز عوضا عن الكامل ، فساق وحده جريدة من دمياط قاصدا إلى مصر لاستدراك هذا الخطب الجسيم ، فلما فقده الجيش من بينهم انحل نظامهم ، واعتقدوا أنه قد حدث أمر أكبر مما بلغهم ، فركبوا وراءه ، فدخلت الفرنج بأمان إلى الديار المصرية ، واستحوذوا على معسكر الكامل وأثقاله وحواصل الجيش ، فوقع أمر عظيم جدا ، وذلك بتقدير العزيز العليم ، ودخل [ ص: 74 ] الكامل مصر ، فلم يقع مما ظنه شيء ، وهرب منه ابن المشطوب إلى الشام ، ثم ركب من فوره في الجيش إلى الفرنج ، فإذا الأمر قد تزايد وقد تمكنوا هنالك من البلدان ، وقتلوا خلقا ، وغنموا شيئا كثيرا ، وعاثت هناك الأعراب على أموال الناس ببلاد دمياط ، فكانوا أضر على المسلمين من الفرنج ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فنزل الكامل تجاههم يمانعهم عن دخولهم إلى القاهرة ومصرهم بعد أن كان يمانعهم عن دخول الثغر; وكتب إلى إخوته يستحثهم ويستنجد بهم ، ويقول : الوحاء الوحاء ، العجل العجل ، أدركوا المسلمين قبل أن تملك الفرنج جميع الديار المصرية ، فأقبلت العساكر الإسلامية إليه عند ذلك من كل مكان ، وكان أول من قدم عليه أخوه الأشرف موسى صاحب الجزيرة ، بيض الله وجهه ، ثم المعظم ، وكان من أمرهم مع الفرنج ما سنذكر بعد هذه السنة .

وفيها ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي ، وهو مع ذلك يعمل ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه ، وشكرت مباشرته للحسبة .

وفيها فوض إلى المعظم النظر في التربة البدرية تجاه الشبلية عند الجسر الذي على ثورا ، ويقال له : جسر كحيل ، وهي منسوبة إلى بدر الدين حسن بن الداية ، كان هو وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي .

قلت : وقد جعلت في حدود الأربعين وستمائة جامعا فيه خطبة يوم الجمعة ، ولله الحمد .

وفيها أرسل السلطان علاء الدين محمد بن تكش إلى الملك العادل وهو مخيم [ ص: 75 ] بمرج الصفر ، فرد إليه مع الرسول خطيب دمشق جمال الدين محمد بن عبد الملك الدولعي ، واستنيب عنه في الخطابة الشيخ الموفق عمر بن يوسف خطيب بيت الآبار ، فأقام بالعزيزية يباشر عنه ، حتى قدم موت العادل . رحمه الله .

وفيها توفي الملك القاهر صاحب الموصل ، فأقيم ابنه الصغير مكانه ، ثم قتل ، وتشتت شمل البيت الأتابكي ، وتغلب على الأمور بدر الدين لؤلؤ غلام أبيهم نور الدين أرسلان .

وفيها كان عود الوزير صفي الدين بن عبد الله بن علي بن شكر من آمد إلى دمشق بعد موت العادل ، فعمل فيه الشيخ علم الدين السخاوي مقامة يمدحه فيها ويبالغ في شكره ، وقد ذكروا أنه كان متواضعا يحب الفقهاء ، ويسلم على الناس إذا اجتاز بهم ، وهو راكب في أبهة وزارته ، ثم إنه نكب في هذه السنة ، وذلك أن الكامل هو الذي كان سبب طرده وإبعاده ، كتب إلى أخيه المعظم فيه ، فاحتاط على أمواله وحواصله ، وعزل ابنه عن النظر بالدواوين ، وقد كان ينوب عن أبيه في مدة غيبته .

وفي رجب منها أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها ، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل خمرا إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية ، واعتذر المعظم في صنعه هذا المنكر بقلة الأموال على الجند ، واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج .

[ ص: 76 ] وما استشعر أن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء ، ويمكن فيهم الداء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث