الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع .

قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم [ ص: 318 ] بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم ; الحارث بن عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال ، والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان ، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله ، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد ذلكم ; فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم ، فلقينا بالمدينة ، فبلغ ما أرسلتم به ، وخبر ما قبلكم ، وأنبأنا بإسلامكم ، وقتلكم المشركين ، وأن الله قد هداكم بهداه ، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله ، وأقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة ; من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء ، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر ، وأن في الإبل في الأربعين ابنة لبون ، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر ، وفي كل خمس من الإبل شاة ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي [ ص: 319 ] كل أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة ، فمن زاد خيرا فهو خير له ، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، وله ذمة الله ، وذمة رسوله ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني ، فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية ; على كل حالم ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا ، فمن أدى ذلك إلى رسول الله ، فإن له ذمة الله ، وذمة رسوله ، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله .

أما بعد ; فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا ; معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عبادة ، وعقبة بن نمر ، ومالك بن مرة وأصحابهم ، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم ، وأبلغوها رسلي ، وإن أميرهم معاذ بن جبل ، فلا ينقلبن إلا راضيا .

أما بعد ; فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ، ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير ، وقتلت المشركين ، [ ص: 320 ] فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيرا ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته ، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب ، فآمركم به خيرا ، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم ، فآمركم بهم خيرا ، فإنهم منظور إليهم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .


وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا عمارة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة . ورواه أبو داود ، عن عمرو بن عون الواسطي ، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني ، عن ثابت البناني ، عن أنس به .

وقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا حديث كتاب عمرو بن حزم ، فقال : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ، ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم ، فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه أمره فكتب : " بسم الله [ ص: 321 ] الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ( المائدة : 1 ) عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن ; آمره بتقوى الله في أمره كله ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " . وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله ، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين ، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر ، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ، ويلين لهم في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم ، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه ، فقال عز وجل ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ( هود : 18 ، 19 ) وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها ، وينذر الناس النار وعملها ، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه ، وما أمر الله به ، والحج الأكبر الحج ، والحج الأصغر العمرة ، وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير ، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ، ويفضي بفرجه إلى السماء ، ولا ينقض شعر رأسه إذا عفا في قفاه [ ص: 322 ] وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر ، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، فمن لم يدع إلى الله ، عز وجل ، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق ، وأرجلهم إلى الكعبين ، وأن يمسحوا رءوسهم كما أمرهم الله عز وجل ، وأمروا بالصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والسجود ، وأن يغلس بالصبح ، وأن يهجر بالهاجرة ، حتى تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مبددة ، والمغرب حين يقبل الليل ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول الليل ، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها ، والغسل عند الرواح إليها ، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله ، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقت العين وفيما سقت السماء العشر ، وما سقى القرب فنصف العشر ، وفي كل عشر من الإبل شاتان ، وفي عشرين أربع شياه ، [ ص: 323 ] وفي أربعين من البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين من الصدقة فمن زاد فهو خير له ، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام فإنه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها ، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب ، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ، عز وجل ، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا ، صلوات الله على محمد ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته " .

قال الحافظ البيهقي : وقد روى سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك .

قلت ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في " سننه " مطولا ، وأبو داود في كتاب " المراسيل " ، وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في " السنن " ولله الحمد والمنة ، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم ; معاذ بن جبل وأبا موسى ، وخالد بن الوليد ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث