الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 455 ] باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم

قد قدمنا طيب أصله ومحتده ، وطهارة نسبه ومولده ، وقد قال الله تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : 124 ] .

وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه .

وفي " صحيح مسلم " عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم . .

وقال الله تعالى : ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : 1 - 4 ] قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم أي ؛ وإنك لعلى دين عظيم ، وهو الإسلام . وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال عطية : [ ص: 456 ] لعلى أدب عظيم . وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام قال : سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقلت : أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ قلت بلى . فقالت : كان خلقه القرآن .

وقد روى الإمام أحمد ، عن إسماعيل بن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري قال : سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خلقه القرآن .

وروى الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، والنسائي من حديثه ، و ابن جرير من حديث ابن وهب ، كلاهما عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة ، فسألتها ، عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن . ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام ، مهما أمره به القرآن امتثله ، ومهما نهاه عنه تركه ، هذا مع ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أكمل منها ، وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله ، وهو مع ذلك خاتم النبيين ، فلا رسول بعده ولا نبي ، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه .

[ ص: 457 ] وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سليمان بن عبد الرحمن ، ثنا الحسن بن يحيى ، ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدرداء قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن ؛ يرضى لرضاه ويسخط لسخطه .

وقال البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى ، أنا قيس بن أنيف ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران ، عن يزيد بن بابنوس قال : قلنا لعائشة : يا أم المؤمنين ، كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن . ثم قالت : أتقرأ سورة " المؤمنين " ؟ اقرأ : قد أفلح المؤمنون إلى العشر . قالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا رواه النسائي عن قتيبة .

وروى البخاري من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس .

[ ص: 458 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور ، ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق تفرد به أحمد . ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه ، فقال : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها ، وأحسن الناس خلقا .

وقال مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها : قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك .

وروى مسلم عن أبي كريب ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل .

[ ص: 459 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ، ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا خير بين أمرين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما ، حتى يكون إثما ، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم ، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله ، فيكون هو ينتقم لله عز وجل .

وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول : سمعت عائشة ، رضي الله عنها ، وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . أو قالت : يعفو ويغفر . شك أبو داود . ورواه الترمذي من حديث شعبة ، وقال : حسن صحيح .

وقال يعقوب بن سفيان : ثنا آدم وعاصم بن علي ، قالا : ثنا ابن أبي ذئب ، ثنا صالح مولى التوأمة قال : كان أبو هريرة رضي الله عنه ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان يقبل جميعا ويدبر جميعا ، بأبي وأمي لم يكن فاحشا ، ولا متفحشا ، ولا سخابا في الأسواق . زاد آدم : ولم أر مثله قبله ، ولن أرى بعده .

[ ص: 460 ] وقال البخاري : ثنا عبدان عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عبد الله بن عمرو قال : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ورواه مسلم من حديث الأعمش به .

وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن : يا أيها النبي ، إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وقد روي عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار .

وقال البخاري : ثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن أبي عتبة ، عن أبي سعيد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها . حدثنا ابن بشار ، ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا شعبة مثله ، وإذا [ ص: 461 ] كره شيئا عرف ذلك في وجهه . ورواه مسلم من حديث شعبة .

وقال الإمام أحمد : ثنا أبو عامر ، ثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن أنس بن مالك قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لعانا ولا فاحشا ، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة : ما له تربت جبينه ؟ ورواه البخاري عن محمد بن سنان ، عن فليح .

وفي " الصحيحين " - واللفظ لمسلم - من حديث حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وكان أجود الناس ، وكان أشجع الناس ، ولقد فزع أهلالمدينة ذات ليلة ، فانطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري ، في عنقه السيف ، وهو يقول لم تراعوا ، لم تراعوا قال : وجدناه بحرا أو : إنه لبحر قال : وكان فرسا يبطأ .

ثم قال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له : مندوب . فركبه فقال : ما رأينا من فزع ، وإن وجدناه لبحرا وقال علي رضي الله عنه : كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 462 ] وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي بن أبي طالب قال : لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشد الناس بأسا . رواه أحمد والبيهقي . وتقدم في غزوة هوازن أنه عليه الصلاة والسلام ، لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته ، وهو ينوه باسمه الشريف يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء ، وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام ، صلوات الله وسلامه عليه .

وفي " صحيح مسلم " من حديث إسماعيل بن علية ، عن عبد العزيز ، عن أنس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي ، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال : فخدمته في السفر والحضر ، والله ما قال لي لشيء صنعته : لم صنعت هذا هكذا ؟ ولا لشيء لم أصنعه : لم لم تصنع هذا هكذا ؟

وله من حديث سعيد بن أبي بردة ، عن أنس قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، فما أعلمه قال لي قط : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط .

[ ص: 463 ] وله من حديث عكرمة بن عمار ، عن إسحاق ، قال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ، فأرسلني يوما لحاجة فقلت : والله لا أذهب . وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي . قال : فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال : يا أنيس ، ذهبت حيث أمرتك ؟ فقلت : نعم ، أنا أذهب يا رسول الله . قال أنس : والله لقد خدمته تسع سنين ، ما علمته قال لشيء صنعته : لم صنعت كذا وكذا ؟ أو لشيء تركته : هلا فعلت كذا وكذا .

وقال الإمام أحمد : ثنا كثير بن هشام ، ثنا جعفر ، ثنا عمران القصير ، عن أنس بن مالك قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني ، وإن لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدر - أو قال : قضى - أن يكون كان ثم رواه أحمد ، عن علي بن ثابت ، عن جعفر هو ابن برقان ، عن عمران البصري ، وهو القصير ، عن أنس ، فذكره ، تفرد به الإمام أحمد .

وقال الإمام أحمد : ثنا عبد الصمد ، ثنا أبي ، ثنا أبو التياح ، ثنا أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير . قال : أحسبه قال فطيما . قال : فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال : [ ص: 464 ] أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ قال : نغر كان يلعب به . قال فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقوم خلفه يصلي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود ، من طرق ، عن أبي التياح يزيد بن حميد ، عن أنس بنحوه .

وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا سلم العلوي ، سمعت أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة - أو قال : أثر صفرة - فكرهها . قال : فلما قام قال : لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة قال : وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه . وقد رواه أبو داود ، والترمذي في " الشمائل " ، والنسائي في " اليوم والليلة " من [ ص: 465 ] حديث حماد بن زيد ، عن سلم بن قيس العلوي البصري . قال أبو داود : وليس من ولد علي بن أبي طالب ، وكان يبصر في النجوم ، وقد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال ، فلم يجز شهادته .

وقال أبو داود : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عبد الحميد الحماني ، ثنا الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل : ما بال فلان يقول . ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا .

وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغني أحد عن أحد شيئا ؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .

وقال مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد ، مر لي من مال الله الذي عندك . قال : فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، ثم أمر [ ص: 466 ] له بعطاء . أخرجاه من حديث مالك .

وقال الإمام أحمد : ثنا زيد بن الحباب ، أخبرني محمد بن هلال القرشي ، عن أبيه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فلما قام قمنا معه ، فجاء أعرابي فقال : أعطني يا محمد . فقال : " لا ، وأستغفر الله " . فجذبه بحجزته فخدشه . قال : فهموا به . فقال : " دعوه " . قال : ثم أعطاه . قال : وكانت يمينه : " لا ، وأستغفر الله " . وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق ، عن محمد بن هلال بن أبي هلال المدني مولى بني كعب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بنحوه .

وقال يعقوب بن سفيان : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن الأعمش ، عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال : كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأتمنه ، وأنه عقد له عقدا فألقاه في بئر ، فصرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه ملكان يعودانه ، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا ، وهي في بئر بني فلان ، ولقد اصفر الماء من شدة عقده ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج [ ص: 467 ] العقد ، فوجد الماء قد اصفر ، فحل العقد ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات . ورواه الطبراني من طريق علي بن المديني ، عن جرير عن الأعمش به ، وقال : فلم يعاتبه . قلت : والمشهور في الصحيح أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت رعوفة بئر ذي أروان ، وأن الحال استمر نحوا من ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين ، ويقال إن آياتهما إحدى عشرة آية ، وإن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة . وقد بسطنا ذلك في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية . والله أعلم .

وقال يعقوب بن سفيان : ثنا أبو نعيم ، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي ، ثنا زيد العمي ، عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه ، ولم ير [ ص: 468 ] مقدما ركبتيه بين يدي جليس له . ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث عمران بن زيد التغلبي أبي يحيى الطويل الكوفي ، عن زيد بن الحواري العمي ، عن أنس به .

وقال أبو داود : ثنا أحمد بن منيع ، ثنا أبو قطن ، ثنا مبارك بن فضالة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده . تفرد به أبو داود .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : ثنا شعبة - قال ابن جعفر في حديثه : قال - سمعت علي بن زيد قال : قال أنس بن مالك إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت . ورواه ابن ماجه من حديث شعبة .

وقال الإمام أحمد : ثنا هشيم ، ثنا حميد ، عن أنس بن مالك قال : إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق به في حاجتها . [ ص: 469 ] وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من " صحيحه " معلقا ، فقال : وقال محمد بن عيسى - هو ابن الطباع - : ثنا هشيم . فذكره .

وقال الطبراني : ثنا أبو شعيب الحراني ، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ، ثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عطاء بن أبي رباح ، سمعت ابن عمر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى صاحب بز ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، فخرج وهو عليه ، فإذا رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله اكسني قميصا ، كساك الله من ثياب الجنة . فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت ، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم ، وبقي معه درهمان فإذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال : " ما يبكيك ؟ " فقالت : يا رسول الله ، دفع إلي أهلي درهمين أشتري بهما دقيقا فهلكا . فدفع إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرهمين الباقيين ، ثم انقلبت وهي تبكي ، فدعاها فقال " ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين ؟ " فقالت : أخاف أن يضربوني . فمشى معها إلى أهلها ، فسلم ، فعرفوا صوته ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فسلم ، ثم عاد فثلث فردوا ، فقال : " أسمعتم أول السلام ؟ " قالوا : نعم ، ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام ، فما أشخصك بأبينا وأمنا ؟ فقال : " أشفقت هذه الجارية أن تضربوها " . فقال صاحبها : فهي حرة لوجه الله ؛ لممشاك معها . فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير والجنة ، ثم قال : " لقد بارك الله في العشرة ؛ كسا الله نبيه قميصا ، ورجلا من الأنصار قميصا ، [ ص: 470 ] وأعتق الله منها رقبة ، وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته " هكذا رواه الطبراني ، وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي ، وقد ضعفه أبو حاتم ، وقال أبو زرعة منكر الحديث . وقال الأزدي : متروك .

وقال الإمام أحمد : ثنا عفان ، ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت : يا رسول الله ، إن لي حاجة . فقال : " يا أم فلان انظري أي الطرق شئت ؟ " فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة

وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط ، إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . وقال الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فذبحنا له شاة فقال : كأنهم علموا أنا نحب اللحم وذكر الحديث .

وقال محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس [ ص: 471 ] يتحدث ، كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء . وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من " سننه " من حديث محمد بن إسحاق به .

وقال أبو داود : حدثنا سلمة بن شبيب ، ثنا عبد الله بن إبراهيم ، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري ، عن ربيح بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده . ورواه البزار في " مسنده " ، ولفظه : كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه .

ثم قال أبو داود : ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا : ثنا عبد الله بن حسان العنبري ، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة - قال موسى : ابنة حرملة . وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة ، وكانت جدة أبيهما - أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قاعد القرفصاء . قالت : فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق . ورواه الترمذي في " الشمائل " ، وفي " الجامع " ، عن عبد بن حميد ، عن عفان بن مسلم ، عن عبد الله بن حسان به . وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في " معجمه الكبير " .

[ ص: 472 ] وقال البخاري : ثنا الحسن بن الصباح البزار ، ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه .

قال البخاري : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة أنها قالت : ألا أعجبك أبو فلان ، جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك ، وكنت أسبح ، فقام قبل أن أقضي سبحتي ، ولو أدركته لرددت عليه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم . وقد رواه أحمد عن علي بن إسحاق ، ومسلم عن حرملة ، وأبو داود عن سليمان بن داود ، كلهم عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد به ، وفي روايتهم : ألا أعجبك من أبي هريرة . فذكر نحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أسامة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد [ ص: 473 ] لم يكن يسرده سردا . وقد رواه أبو داود ، عن ابن أبي شيبة ، عن وكيع .

وقال أبو يعلى : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، ثنا عبد الله بن مسعر ، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول : كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا ، وإذا أتى قوما فسلم عليهم سلم ثلاثا . ورواه البخاري من حديث عبد الصمد .

وقال أحمد : ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، ثنا عبد الله بن المثنى ، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ، وكان يستأذن ثلاثا .

وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي ، عن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة ، عن عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا ؛ لتعقل عنه . ثم قال الترمذي : حسن [ ص: 474 ] صحيح غريب .

وفي " الصحيح " أنه قال : أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكم اختصارا .

قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وهكذا رواه البخاري من حديث الليث .

وقال أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلام ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه .

وقال أحمد : حدثنا يزيد ، ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب ، وأوتيت جوامع الكلم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض [ ص: 475 ] فتلت في يدي . تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .

وثبت في " الصحيحين " من حديث ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، حدثني أبو النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن عائشة ، رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم .

وقال الترمذي : ثنا قتيبة : ، ثنا ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رواه من حديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال : ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما . ثم قال : صحيح .

وقال مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، ثنا أبو خيثمة ، عن سماك بن حرب ، قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كثيرا ، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام ، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شريك وقيس بن سعد ، عن سماك بن [ ص: 476 ] حرب قال : قلت لجابر بن سمرة : أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، كان كثير الصمت ، قليل الضحك ، فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده ، وربما قالوا الشيء من أمورهم فيضحكون ، وربما تبسم .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق ، أنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، ثنا الليث بن سعد ، عن الوليد بن أبي الوليد ، أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد ، يعني ابن ثابت ، أن نفرا دخلوا على أبيه ، فقالوا : حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، فكل هذا نحدثكم عنه . ورواه الترمذي في " الشمائل " عن عباس الدوري ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ به نحوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث