الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث رد الشمس بعد مغيبها

فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها ، فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الأمناء بن عساكر إذنا ، قال : أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر ، المشهور بالنسابة كتابة قال : أنا الحافظ الكبير أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عساكر في كتابه قال : أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي ، قالا : ثنا أبو عثمان الحيري أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الداندانقاني بها ، أنا محمد بن أحمد بن محبوب . وفي حديث ابن القشيري : ثنا أبو العباس المحبوبي ، ثنا سعيد بن مسعود ( ح ) قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : وأنا أبو الفتح الماهاني ، أنا شجاع بن علي ، أنا أبو عبد الله بن منده ، أنا عثمان بن أحمد التنيسي ، أنا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا فضيل بن مرزوق ، عن إبراهيم بن الحسن - زاد أبو أمية : بن الحسن - عن فاطمة بنت الحسين ، عن أسماء بنت عميس قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس ، فقال رسول [ ص: 566 ] الله صلى الله عليه وسلم : صليت العصر ؟ - وقال أبو أمية : " صليت يا علي ؟ " - قال : لا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقال أبو أمية : فقال النبي صلى الله عليه وسلم - : اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك - وقال أبو أمية : " رسولك " - فاردد عليه الشمس . قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت . وقد رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " من طريق أبي عبد الله بن منده ، كما تقدم ، ومن طريق أبي جعفر العقيلي ، ثنا أحمد بن داود ، ثنا عمار بن مطر ، ثنا فضيل بن مرزوق ، فذكره ، ثم قال : وهذا حديث موضوع ، وقد اضطرب الرواة فيه ، فرواه سعيد بن مسعود ، عن عبيد الله بن موسى ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن علي بن الحسن ، عن فاطمة بنت علي ، عن أسماء ، وهذا تخليط في الرواية . قال : وأحمد بن داود ليس بشيء ؛ قال الدارقطني : متروك كذاب . وقال ابن حبان : كان يضع الحديث . وعمار بن مطر قال فيه العقيلي : كان يحدث عن الثقات بالمناكير . وقال ابن عدي متروك الحديث . قال : وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات ويخطئ عن الثقات .

وبه قال إلى الحافظ أبي القاسم بن عساكر ، قال : وأخبرنا أبو محمد [ ص: 567 ] ابن طاوس ، أنا عاصم بن الحسن ، أنا أبو عمر بن مهدي ، أنا أبو العباس بن عقدة ، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، حدثنا عبد الرحمن بن شريك ، حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال : دخلت على فاطمة بنت علي ، فرأيت في عنقها خرزة ، ورأيت في يديها مسكتين غليظتين ، وهي عجوز كبيرة ، فقلت لها : ما هذا ؟ فقالت : إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال . ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوحي إليه ، فجلله بثوبه ، فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس . تقول : غابت أو كادت أن تغيب . ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سري عنه فقال : " أصليت يا علي " قال : لا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم رد على علي الشمس فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد قال عبد الرحمن : وقال أبي : حدثني موسى الجهني نحوه . ثم قال الحافظ ابن عساكر : هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجاهيل .

وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " : وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة . فذكره ، ثم قال : وهذا باطل ، والمتهم به ابن عقدة ، فإنه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة .

[ ص: 568 ] قال الخطيب : ثنا علي بن محمد بن نصر ، سمعت حمزة بن يوسف يقول : كان ابن عقدة بجامع براثا يملي مثالب الصحابة - أو قال : الشيخين - فتركته . وقال الدارقطني : كان ابن عقدة رجل سوء .

وقال ابن عدي سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول : ابن عقدة لا يتدين بالحديث ؛ لأنه كان يحمل شيوخا بالكوفة على الكذب ، فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها ، وقد تبينا ذلك منه في غير شيخ بالكوفة .

وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه " الذرية الطاهرة " : حدثنا إسحاق بن يونس ، ثنا سويد بن سعيد ، ثنا المطلب بن زياد ، عن إبراهيم بن حيان ، عن عبد الله بن حسين ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن الحسين قال : كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر علي وهو يوحى إليه . فذكر الحديث بنحو ما تقدم . إبراهيم بن حيان هذا تركه الدارقطني وغيره . وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ : هذا الحديث موضوع . قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي : وصدق ابن ناصر . وقال ابن الجوزي : وقد رواه ابن مردويه من [ ص: 569 ] حديث داود بن فراهيج ، عن أبي هريرة قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجر علي ، ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له ، فردت عليه الشمس حتى صلى ، ثم غابت ثانية . ثم قال : وداود ضعفه شعبة ، ثم قال ابن الجوزي : ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ، ولم يتلمح عدم الفائدة ، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء ، فرجوع الشمس لا يعيدها أداء ، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع .

قلت : هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه ، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال ، وشيعي ومتروك ، ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده ؛ لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله ، فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة ، لا أقل من ذلك ، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى ، وبالنسبة إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت في " الصحيح " أنها ردت ليوشع بن نون ، وذلك يوم حاصر بيت المقدس واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة ، وكانوا لا يقاتلون يوم السبت ، فنظر إلى الشمس وقد تضيفت للغروب ، فقال : إنك مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي . فحبسها الله عليه حتى فتحوها . ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاها ، وأجل منصبا ، وأعلى قدرا من يوشع بن نون ، بل من سائر الأنبياء على الإطلاق ، ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا عنه ، [ ص: 570 ] ولا نسند إليه ما ليس بصحيح ، ولو صح لكنا من أول القائلين به ، والمعتقدين له . وبالله المستعان .

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه " إثبات إمامة أبي بكر الصديق " فإن قال قائل من الروافض : إن أفضل فضيلة لأبي الحسن وأدل دليل على إمامته ما روي عن أسماء بنت عميس قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " صليت ؟ " قال : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس " . قالت أسماء : فرأيتها غربت ، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت . قيل له : كيف لنا بصحة هذا الحديث لنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى ؟ ! ولكن الحديث ضعيف جدا ، لا أصل له ، وهذا مما كسبت أيدي الروافض ، ولو ردت الشمس بعد ما غربت لرآها المؤمن والكافر ، ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعد ما غربت ، ثم يقال للروافض : أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر ، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار - وعلي فيهم - حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق ؟ ! قال : وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر . فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس . قال : فلم يرد الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى [ ص: 571 ] أصحابه . قال : ولو كان هذا فضلا ، أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان الله ليمنع رسوله شرفا وفضلا . يعني أعطيه علي بن أبي طالب

ثم قال : وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي : ما تقول فيمن يقول : رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر ؟ فقال : من قال هذا فقد كذب .

وقال إبراهيم بن يعقوب : سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت : إن ناسا عندنا يقولون : إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت عليه الشمس . فقال : كذب هذا كله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث