الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إيراد طرق هذا الحديث من أماكن متفرقة

فصل في إيراد طرق هذا الحديث من أماكن متفرقة

وقد جمع فيه أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني جزءا وسماه " مسألة في تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس " [ ص: 572 ] وقال : قد روى ذلك من طريق أسماء بنت عميس ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري . ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري وأحمد بن الوليد الأنطاكي والحسن بن داود ، ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، وهو ثقة ، أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني ، وهو ثقة أيضا ، عن عون بن محمد . قال : وهو ابن محمد بن الحنفية . عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عميس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة ، فجاء وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ، فوضع رأسه في حجر علي ، فلم يحركه حتى غابت الشمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه ، فرد عليه شرقها قالت أسماء : فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر ، ثم غابت الشمس . وهذا الإسناد فيه من يجهل حاله ، فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما دون هذا المقام ، فكيف يثبت بخبرهما هذا الأمر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة ؟! فالله أعلم . ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أم لا .

[ ص: 573 ] ثم أورده هذا المصنف من طريق حسين بن الحسن الأشقر ، وهو شيعي جلد ، وضعفه غير واحد ، عن الفضيل بن مرزوق ، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، عن فاطمة بنت الحسين الشهيد ، عن أسماء بنت عميس ، فذكر الحديث . قال : وقد رواه عن فضيل بن مرزوق جماعة ، منهم عبيد الله بن موسى ، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي ، من طريق عبيد الله ، وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود وأبي أمية الطرسوسي ، عن عبيد الله بن موسى العبسي ، وهو من الشيعة .

ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي جعفر العقيلي ، عن أحمد بن داود ، عن عمار بن مطر ، عن فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي - ويقال : الرؤاسي ، أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة - وثقه الثوري وابن عيينة ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيرا . وقال ابن معين : ثقة . وقال مرة : صالح ولكنه شديد التشيع . وقال مرة : لا بأس به . وقال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث ، يهم كثيرا ، يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال عثمان بن سعيد الدارمي : يقال : إنه ضعيف . وقال النسائي : ضعيف . وقال ابن عدي أرجو أن لا بأس به . وقال ابن حبان : منكر الحديث جدا ، كان يخطئ على الثقات ، ويروي عن عطية الموضوعات .

[ ص: 574 ] وقد روى له مسلم وأهل السنن الأربعة ، فمن هذه ترجمته لا يتهم بتعمد الكذب ، ولكنه قد يتساهل ، ولا سيما فيما يوافق مذهبه ، فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن ، فيدلس حديثه ، ويسقطه ويذكر شيخه ، ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه : عن . بصيغة التدليس ، ولم يأت بصيغة التحديث ، فلعل بينهما من يجهل أمره ، على أن شيخه هذا إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ليس بذاك المشهور في حاله ، ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة ، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل . قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ، ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل . وأما أمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهي أخت زين العابدين ، فحديثها مشهور ، روى لها أهل السنن الأربعة ، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق وهي من الثقات ، ولكن لا يدرى أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا . فالله أعلم .

ثم قد رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكتاني ، ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي ، حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه ، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم ، ثنا خلف بن سالم ثنا [ ص: 575 ] عبد الرزاق ، ثنا سفيان الثوري ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أمه ، عن فاطمة ، يعني بنت الحسين ، عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس . وهذا إسناد غريب جدا ، وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الأئمة ، لا يكاد يترك منه شيء من المهمات ، فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم ؟! ثم إن أم أشعث مجهولة . فالله أعلم .

ثم ساقه هذا المصنف من طريق محمد بن مرزوق ، ثنا حسين الأشقر ، وهو شيعي وضعيف كما تقدم ، عن علي بن هاشم بن البريد - وقد قال فيه ابن حبان : كان غاليا في التشيع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن علي بن الحسين بن الحسن ، عن فاطمة بنت علي ، عن أسماء بنت عميس ، فذكره ، وهذا إسناد لا يثبت .

ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك ، عن أبيه ، عن عروة بن عبد الله ، عن فاطمة بنت علي ، عن أسماء بنت عميس ، فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة ، عن أحمد بن يحيى الصوفي ، عن عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي . وقد روى عنه البخاري في كتاب " الأدب " ، وحدث عنه جماعة من الأئمة ، وقال فيه أبو حاتم الرازي : كان واهي [ ص: 576 ] الحديث . وذكره ابن حبان في كتاب " الثقات " ، وقال : ربما أخطأ . وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين ، وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال : إنما أتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة . ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها . فالله أعلم . قلت : في سياق هذا الإسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد . وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه .

ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي ، ثنا علي بن العباس بن الوليد ، ثنا عباد بن يعقوب الرواجني ، ثنا علي بن هاشم ، عن صباح ، عن عبد الله بن الحسن أبي جعفر ، عن حسين المقتول ، عن فاطمة ، عن أسماء بنت عميس قالت : لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشمس أو كادت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما صليت ؟ قال : لا . فدعا الله فارتفعت حتى توسطت السماء ، فصلى علي فلما غابت الشمس سمعت لها صريرا كصرير المنشار في الحديد . وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة ، مع أن إسناده مظلم جدا ، فإن صباحا هذا لا يعرف ، وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد ، عن أسماء بنت عميس ؟ ! [ ص: 577 ] هذا تخبيط فاحش إسنادا ومتنا ، ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة ، وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب ، وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال ، كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي ، وأنس بن مالك في جماعة أصحابه بتستر ، واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره ، عليه الصلاة والسلام ، أصحابه أن لا يصلين أحد منهم العصر إلا في بني قريظة ، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف ، والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء أنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه ، وهو الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر ، فإن كان هذا ثابتا على ما رواه هؤلاء الجهلة ، وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك ، ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري ؛ لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا ؛ لأنه كان بخيبر سنة سبع ، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك ، وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس ، بل وقتها بعد الغروب ، والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث . والله أعلم . وهذا [ ص: 578 ] كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم ، فقد تعدد رد الشمس غير مرة ، ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء ، ولا رواه أهل الكتب المشهورة ، وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم . والله أعلم .

ثم أورده هذا المصنف من طريق أبي العباس بن عقدة ، حدثنا يحيى بن زكريا ، ثنا يعقوب بن معبد ، ثنا عمرو بن ثابت قال : سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن علي عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب هل ثبت عندكم ؟ فقال لي : ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس . قلت : صدقت جعلني الله فداك ، ولكني أحب أن أسمعه منك . فقال : حدثني أبي الحسن ، عن أسماء بنت عميس أنها قالت : أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي ، فأسنده إلى صدره ، فلم يزل مسنده إلى صدره حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أصليت العصر يا علي ؟ قال : جئت والوحي ينزل عليك ، فلم أزل مسندك إلى صدري حتى الساعة . فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وقد غربت الشمس ، فقال : " اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه " . قالت أسماء : فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر فقام علي متمكنا فصلى ، فلما فرغ رجعت الشمس ولها [ ص: 579 ] صرير كصرير الرحى ، فلما غابت الشمس اختلط الظلام وبدت النجوم وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا ، وهو مناقض لما قبله من السياقات ، وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره ، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل ، ويعرف بعمرو بن أبي المقدام الحداد ، روى عن غير واحد من التابعين ، وحدث عنه جماعة ، منهم ؛ سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان ، تركه عبد الله بن المبارك ، وقال لا تحدثوا عنه ؛ فإنه كان يسب السلف . ولما مرت به جنازته توارى عنها . وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي ، وقال ابن معين والنسائي : ليس بثقة ، ولا مأمون ، ولا يكتب حديثه . وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم : كان ضعيفا . زاد أبو حاتم : وكان رديء الرأي شديد التشيع ، لا يكتب حديثه . وقال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال أبو داود : كان من شرار الناس ؛ كان رافضيا خبيثا رجل سوء . قال هناد : ولما مات لم أصل عليه ؛ لأنه قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر الناس إلا خمسة . وجعلأبو داود يذمه . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات . وقال ابن عدي والضعف على حديثه بين . وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة ، ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية : وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا [ ص: 580 ] الكذب .

قال هذا المصنف لا المنصف : وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري ، ثنا أبو محمد صالح بن الفتح الشاشي ، ثنا أحمد بن عمير بن جوصاء ، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي ، عن أبيه ثنا داود بن فراهيج وعن عمارة بن برد ، عن أبي هريرة . فذكره ، وقال : اختصرته من حديث طويل . وهذا إسناد مظلم ، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون ، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج ، عن أبي هريرة ، وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما . والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة ، أو قد أدخل على أحدهم وهو لا يشعر . والله أعلم .

قال : وأما حديث أبي سعيد ، فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة ، أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم ، أنا محمد بن أحمد بن [ ص: 581 ] متيم ، أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، حدثني أبي عن أبيه محمد ، عن أبيه عبد الله ، عن أبيه محمد ، عن أبيه عمر قال : قال الحسين بن علي ، سمعت أبا سعيد الخدري يقول : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأسه في حجر علي وقد غابت الشمس ، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : " يا علي أصليت العصر ؟ " قال : لا يا رسول الله ما صليت ، كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " ادع يا علي أن ترد عليك الشمس " فقال علي : يا رسول الله ، ادع أنت وأؤمن أنا . فقال : " يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس " . قال أبو سعيد : فوالله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية . وهذا إسناد مظلم أيضا ، ومبتكر منكر ، ومخالف لما تقدمه من السياقات ، وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل ، يسرقه بعض هؤلاء الرافضة من بعض ، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه ، كما أخرجا في " الصحيحين " [ ص: 582 ] من طريقه حديث قتال الخوارج ، وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي .

قال : وأما حديث أمير المؤمنين علي فأخبرنا أبو العباس الفرغاني ، أنا أبو الفضل الشيباني ثنا رجاء بن يحيى الساماني ، ثنا هارون بن مسلم بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين ، ثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث ، عن داود بن الكميت ، عن عمه المستهل بن زيد ، عن أبيه زيد بن سلهب ، عن جويرية بنت شهر قالت : خرجت مع علي بن أبي طالب فقال : يا جويرية ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجري . فذكر الحديث . وهذا الإسناد مظلم ، وأكثر رجاله لا يعرفون ، والذي يظهر ، والله أعلم ، أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله ، ولعن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال ، وهو الصادق في المقال : من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وفيه منقبة عظيمة له ودلالة معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون ؟! وهل لهم وجود في الخارج أم لا ؟ الظاهر ، والله أعلم ، لا . ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال ، فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم ، ثم في ترك الأئمة كمالك ، وأصحاب الكتب الستة ، وأصحاب [ ص: 583 ] المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم ، أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم ، وهو مفتعل مأفوك بعدهم ، وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره ، وكذلك لم يروه الحاكم في " مستدركه " ، وكلاهما ينسب إلى شيء من التشيع ، ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب ، وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة ، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة ، وأكثرها مركبة موضوعة ، وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري ، عن ابن أبي فديك ، عن محمد بن موسى الفطري ، عن عون بن محمد ، عن أمه أم جعفر ، عن أسماء ، على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف . وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح ، رحمه الله ، ومال إلى صحته ، ورجح ثبوته .

قال الطحاوي في كتابه " مشكل الحديث " : عن علي بن عبد الرحمن ، عن أحمد بن صالح المصري ، أنه كان يقول : لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس ؛ لأنه من علامات النبوة . وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا ، فيما قيل . ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال : عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا فيما يقتضي نقله ؛ لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين ، فإنه من أعلام النبوة ، وهو مفارق لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة .

[ ص: 584 ] وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا ، وهذا حق لو كان الحديث صحيحا ، ولكنه لم ينقل كذلك ، فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر . والله أعلم .

قلت : والأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه ، ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ ؛ كمحمد ويعلى ابني عبيد الطنافسيين ، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه ، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر ، والشيخ أبي الفرج بن الجوزي ، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين ، وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية .

وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي ، ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى ، ثنا عبد الله بن علي بن المديني قال : سمعت أبي يقول : خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حديث : لو صدق السائل ما أفلح من رده . وحديث : لا وجع إلا وجع العين ، ولا غم إلا غم الدين . وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب وحديث : أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام . وحديث : أفطر الحاجم والمحجوم ، إنهما كانا يغتابان .

[ ص: 585 ] والطحاوي ، رحمه الله ، إن كان قد اشتبه عليه أمره ، فقد روي عن أبي حنيفة ، رحمه الله إنكاره والتهكم بمن رواه . قال أبو العباس بن عقدة : ثنا جعفر بن محمد بن عمر ، ثنا سليمان بن عباد ، سمعت بشار بن دراع قال : لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان ، فقال : عمن رويت حديث رد الشمس ؟ فقال : عن غير الذي رويت عنه : يا سارية ، الجبل . فهذا أبو حنيفة ، رحمه الله ، وهو من الأئمة المعتبرين ، وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضله الله به ورسوله ، وهو مع هذا ينكر هذا على راويه ، وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب ، بل مجرد معارضة لا تجدي ، أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث ، وهو وإن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله : يا سارية ، الجبل . وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان ، فإن هذا ليس كهذا ، لا إسنادا ولا متنا ، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر جزء من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكبر علامات الساعة ؟! والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه ، بل حبست ساعة قبل غروبها ؛ بمعنى أنها تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح . والله أعلم . وتقدم ما أورده هذا المصنف من طرق هذا الحديث ، [ ص: 586 ] عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس . وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في " الذرية الطاهرة " من حديث الحسن بن علي ، والظاهر أنه عنه ، عن أبي سعيد الخدري كما تقدم . والله أعلم .

وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن ، الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الإمامة الذي رد عليه فيه شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية ، قال ابن المطهر : التاسع : رجوع الشمس له مرتين ؛ إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، والثانية بعده ، أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عند الله ، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين ، فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس فصلى علي العصر بالإيماء ، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما " فدعا ، فردت الشمس ، فصلى العصر قائما . وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بتعبير دوابهم ، وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر ، وفات كثيرا منهم ، فتكلموا في ذلك ، فسأل الله رد الشمس ، فردت . قال : وقد نظمه الحميري فقال :


ردت عليه الشمس لما فاته وقت الصلاة وقد دنت للمغرب     حتى تبلج نورها في وقتها
للعصر ثم هوت هوي الكوكب      [ ص: 587 ] وعليه قد ردت ببابل مرة
أخرى وما ردت لخلق معرب

قال شيخنا أبو العباس ، رحمه الله : فضل علي وولايته لله وعلو منزلته عند الله معلوم ، ولله الحمد ، بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني ، لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب ، وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة ؛ كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما ، وعدوا ذلك من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع . ثم أورد طرقه واحدة واحدة كما قدمنا ، وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم ، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه ، والله الموفق . واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده ، وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقد جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ ، وقال في غضون كلامه : والذي يقطع به أنه كذب مفتعل . قلت : وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب ، ولكن لم يسنده ، وفي سياقه ما يقتضي أن عليا هو الذي دعا برد الشمس في الأولى والثانية ، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد ، وأظنه ، والله أعلم من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر ، بل قاموا إلى بطحان ، وهو واد هناك ، فتوضؤوا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس ، وكان علي أيضا فيهم ، ولم ترد لهم ، وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم ، وكذلك لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، عن صلاة الصبح [ ص: 588 ] حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار ، ولم يرد لهم الليل ، فما كان الله عز وجل ، يعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأما نظم الحميري فليس فيه حجة ، بل هو كهذيان ابن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر ، وهذا لا يدري صحة ما ينظم ، بل كلاهما كما قال الشاعر :


إن كنت أدري فعلي بدنه     من كثرة التخليط أني من أنه

والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود ، رحمه الله ، في " سننه " عن علي أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر ، فلم يصل حتى جاوزها ، وقال : نهاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة . وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه " الملل والنحل " مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من ادعى باطلا من الأمر ، فقال : ولا فرق بين من ادعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال :


فردت علينا الشمس والليل راغم     بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى     لهجتها نور السماء المرجع
فوالله ما أدري علي بدا لنا     فردت له أم كان في القوم يوشع

هكذا أورده ابن حزم في كتابه ، وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب ، وأنه مصنوع . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث