الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة خمس وأربعين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 168 ]

ثم دخلت سنة خمس وأربعين

فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الأزدي ، ثم عزله بعد أربعة أشهر ، وولى زيادا ، فقدم زياد الكوفة وعليها المغيرة بن شعبة ، فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة ، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة ، فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم له خبره ، فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء ، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة واستعمله على خراسان وسجستان ، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان . ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأولى ، فقام في أول خطبة خطبها ، وقد وجد الفسق ظاهرا في البصرة ، فقال فيها : أيها الناس ، كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لأهل الطاعة ، والعذاب لأهل المعصية ، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا ، وسدت مسامعه الشهوات فاختار الفانية على الباقية . ثم ما زال يقيم أمر السلطان ويجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما ، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة ، واستعان بجماعة من الصحابة ، وولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة ، وولى الحكم بن عمرو الغفاري نيابة خراسان ، وولى سمرة بن جندب وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك .

وكان زياد حازم الرأي ، ذا هيبة ، داهية ، وكان مفوها فصيحا بليغا ; قال [ ص: 169 ] الشعبي : ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت ; خوفا من أن يسيء إلا زيادا ; فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما . وقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب .

وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمرو نائب زياد على خراسان جبل الأشل ، عن أمر زياد ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، وغنم أموالا جمة ، فكتب إليه زياد : إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء وبيضاء - يعني الذهب والفضة - يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال . فكتب الحكم بن عمرو إليه : إن كتاب الله مقدم على كتاب أمير المؤمنين ، وإنه والله لو كانت السماوات والأرض على عبد فاتقى الله ، لجعل له مخرجا . ثم نادى في الناس أن اغدوا على قسم غنيمتكم . فقسمها بينهم ، وخالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية ، وعزل الخمس كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحكم : اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك . فمات بمرو من خراسان ، رضي الله عنه .

قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان نائب المدينة . وكانت الولاة والعمال هم الذين كانوا في السنة الماضية .

[ ص: 170 ] وفي هذه السنة توفي زيد بن ثابت الأنصاري أحد كتاب الوحي ، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة ، وهو الذي كتب هذا المصحف الإمام الذي بالشام ، عن أمر عثمان بن عفان ، وهو خط جيد قوي جدا فيما رأيته ، وقد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاء ، تعلم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يوما . قال أبو الحسن بن البراء : تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما ، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الواقدي : وأول مشاهده الخندق ، وهو ابن خمس عشرة سنة . وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي : " وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت " . وقد استعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، على القضاء . وقال مسروق : كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم .

وقال محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له : تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : لا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا .

[ ص: 171 ] وقال الأعمش ، عن ثابت بن عبيد قال : كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته ، ومن أزمته إذا خرج إلى الرجال .

وقال محمد بن سيرين : خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة ، فوجد الناس راجعين منها ، فتوارى عنهم وقال : من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله .

مات في هذه السنة ، وقيل : في سنة خمس وخمسين . والصحيح الأول ، وقد قارب الستين ، وصلى عليه مروان بن الحكم نائب المدينة . وقال ابن عباس : لقد مات اليوم علم كثير . وقال أبو هريرة : مات حبر هذه الأمة .

وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش ، عن سبعين سنة ، وقد شهد بدرا وما بعدها ، ولا عقب له .

وعاصم بن عدي ، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى بدر على قباء وأهل العالية ، وشهد أحدا وما بعدها ، وتوفي عن خمس عشرة ومائة ، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ومالك بن الدخشم إلى مسجد الضرار فحرقاه .

[ ص: 172 ] وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة السهمي ، وهاجرت معه إلى المدينة ، فتوفي عنها بعد بدر ، فلما انقضت عدتها عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يتزوجها ، فعرضها على أبي بكر فلم يرد عليه شيئا ، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها ، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك ، فقال له أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ذكرها ، فما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها لتزوجتها .

وقد روينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها . وفي رواية أن جبريل أمره بمراجعتها ، وقال : إنها صوامة قوامة ، وهي زوجتك في الجنة . وقد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة . وقيل : إنها توفيت أيام عثمان . والأول أصح . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث