الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر من توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر من توفي فيها من الأعيان

أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي ، أبو محمد المدني

مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه ، وحبه وابن حبه ، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته ، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمرة بعد مقتل أبيه ، فطعن بعض الناس في إمرته ، فقال [ ص: 272 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله ، وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده " .

وثبت في " صحيح البخاري " عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس الحسن على فخذه ، ويجلس أسامة على فخذه الأخرى ويقول : " اللهم إني أحبهما فأحبهما " . وفضائله كثيرة جدا ، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره تسع عشرة سنة ، وكان عمر إذا لقيه يقول : السلام عليك أيها الأمير . وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفي في هذه السنة . وقال غيره : سنة ثمان أو تسع وخمسين . وقيل توفي بعد مقتل عثمان . فالله أعلم .

ثوبان بن بجدد

مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدمت ترجمته في الموالي ، ومن كان يخدمه ، عليه الصلاة والسلام . أصل ثوبان من العرب ، فأصابه سباء ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه ، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا وحضرا ، فلما مات أقام بالرملة ، ثم انتقل منها إلى حمص فابتنى بها دارا ، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة ، على الصحيح . وقيل : سنة أربع وأربعين . وهو غلط . [ ص: 273 ] ويقال إنه توفي بمصر . والصحيح بحمص .

جبير بن مطعم

تقدم أنه توفي . سنة خمسين .

الحارث بن ربعي أبو قتادة الأنصاري

وقال الواقدي : اسمه النعمان بن ربعي . وقال غيره : عمرو بن ربعي . وهو أبو قتادة الأنصاري السلمي المدني فارس الإسلام ، شهد أحدا وما بعدها ، وكان له يوم ذي قرد سعي مشكور كما تقدم ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : " خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع " . وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا ، وليس هذا بمعروف . وقال أبو سعيد الخدري : أخبرني من هو خير مني أبو قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " .

قال الواقدي وغيره : توفي في هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة . وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين ، وصلى عليه علي بن أبي طالب . وهذا غريب .

حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أبو خالد المكي

وأمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد [ ص: 274 ] بن عبد العزى ، وعمته خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم أولاده سوى إبراهيم . ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة ; وذلك أنها دخلت الكعبة تزور ، فضربها الطلق ، فوضعته على نطع .

وكان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعون ولا يناكحون ، كان حكيم يقبل بالعير تقدم من الشام فيشتريها مكانها ، ثم يذهب بها ، فيضرب أدبارها حتى تلج الشعب تحمل الطعام والكسوة ; تكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولعمته خديجة بنت خويلد ، وهو الذي اشترى زيد بن حارثة أولا ، فابتاعته منه عمته خديجة ، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه . وهو الذي اشترى حلة ذي يزن ، فأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها . قال : فما رأيت شيئا أحسن منه فيها . ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم .

قال البخاري وغيره : عاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب ، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة ، فلما أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : " أسلمت على ما أسلفت من خير " . وقد كان حكيم شهد مع المشركين بدرا ، وتقدم إلى [ ص: 275 ] الحوض ، فكاد حمزة أن يقتله ، فما سحب إلا سحبا من بين يديه ، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول : لا والذي نجاني يوم بدر . ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمر الظهران ومعه الجنود خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الأخبار ، فلقيهما العباس ، فأخذ أبا سفيان فأجاره ، وأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم ، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ، وأعطاه رسول الله عليه وسلم مائة من الإبل ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم قال له : " يا حكيم ، إن هذا المال حلوة خضرة ، وإنه من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع " . فقال حكيم : والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا . فلم يرزأ أحدا بعده ، فكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى ، وكذلك عمر يعرض عليه العطاء فيأبى ، فكان عمر يشهد عليه المسلمين . ومع هذا كان من أغنى الناس ; مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف .

وقد كان بيده ، حين أسلم ، الرفادة ودار الندوة ، فباعها بعد من معاوية بمائة ألف ، وفي رواية : بأربعين ألف دينار . فقال له ابن الزبير : بعت مكرمة قريش ؟ فقال له حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى ، يا ابن أخي ، إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر ، ولأشترين بها دارا في الجنة ، أشهدك أني قد جعلتها في [ ص: 276 ] سبيل الله ، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل ، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنه أربعين سنة ، إلا حكيم بن حزام ، فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة . ذكره الزبير بن بكار .

وذكر الزبير أن حكيما حج عاما ، فأهدى مائة بدنة مجللة ، وألف شاة ، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة ، وقد نقش فيها : هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام . فأعتقهم وأهدى جميع تلك الأنعام . رضى الله عنه . توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح . ، وقيل غير ذلك ، وله من العمر مائة وعشرون سنة . والله أعلم .

حويطب بن عبد العزى العامري

صحابي جليل ، أسلم عام الفتح ، وكان قد عمر دهرا طويلا ، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم ، وقد شهد بدرا مع المشركين ، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والأرض ، وشهد الحديبية وسعى في الصلح ، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان أمرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة ، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه . قال : وفي كل هذه المواطن أهم بالإسلام ، ويأبى الله إلا ما يريد ، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت ، فلحقني أبو ذر ، وكان لي خليلا في الجاهلية ، فقال : يا حويطب ، ما لك ؟ فقلت : خائف . فقال : لا تخف ; فإنه أبر الناس وأوصل الناس ، وأنا جار لك ، [ ص: 277 ] فاقدم معي . فرجعت معه ، فوقف بي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء ، ومعه أبو بكر وعمر ، وقد علمني أبو ذر أن أقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . فلما قلت ذلك قال : " حويطب ؟ " قلت : نعم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . فقال : " الحمد لله الذي هداك " . وسر بذلك واستقرضني مالا ، فأقرضته أربعين ألفا ، وشهدت معه حنينا والطائف ، وأعطاني من غنائم حنين مائة بعير ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها ، وله بها دار . ولما ولي عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام ومخرمة بن نوفل ، فسلموا عليه ، وجلسوا يتحدثون عنده ، ثم تفرقوا ، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر ، فسأله مروان عن عمره فأخبره ، فقال له : تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث . فقال حويطب : الله المستعان ، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة ، كل ذلك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث وتصير تابعا ؟ قال : فأسكت مروان وندم على ما كان قال له . ثم قال حويطب : أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم ؟ قال : فازداد مروان غما . وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان . واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار ، فاستكثرها الناس ، فقال حويطب : وما هي في رجل له خمسة من العيال ؟ قال الشافعي : كان حويطب حميد [ ص: 278 ] الإسلام ، وكان أكثر قريش بمكة ربعا جاهليا . وقال الواقدي : عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، ومات في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة . وقال غيره : توفي بالشام . له حديث واحد ، رواه البخاري ومسلم والنسائي ، من حديث السائب بن يزيد عنه ، عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة ، وهو من عزيز الحديث ; لأنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة ، رضى الله عنهم .

سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم

أسلم عام الفتح ، وشهد حنينا ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين من الإبل ، وكان اسمه صرما ، وفي رواية : أصرم ، فسماه سعيدا ، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم ، وقد أصيب بصره بعد ذلك ، فأتاه عمر يعزيه فيه . رواه البخاري .

[ ص: 279 ] وقال الواقدي وخليفة وغير واحد : مات في هذه السنة بالمدينة - وقيل : بمكة - وهو ابن مائة وعشرين سنة . وقيل أكثر من ذلك .

مرة بن شراحيل الهمداني

ويقال له : مرة الطيب ، ومرة الخير . روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم . كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة ، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة ، ويقال : إنه سجد حتى أكل التراب جبهته ، فلما مات رئي في المنام وقد صار ذلك المكان نورا ، فقيل له : أين منزلك ؟ فقال : بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون .

النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث

شهد بدرا وما بعدها ، ويقال : إنه هو الذي كان يؤتى به في الشراب فيجلده النبي ، فقال رجل : لعنه الله ، ما أكثر ما يؤتى به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " .

سودة بنت زمعة القرشية العامرية ، أم المؤمنين

تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة ، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو فلما كبرت هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها ، ويقال : إنه طلقها . فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة ، فقبل ذلك منها وأبقاها ، فأنزل الله : [ ص: 280 ] وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا الآية [ النساء : 128 ] . وكانت ذات عبادة وورع وزهادة . قالت عائشة : ما من امرأة أحب أن أكون في مسلاخها إلا سودة ، إلا أن فيها حدة تسرع منها الفيئة . ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة . وقال ابن أبي خيثمة : توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث