الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      [ ص: 457 ] غزوة ذات الرقاع

                                                                                      قال ابن إسحاق : إنها في جمادى الأولى سنة أربع ، وهي غزوة خصفة من بني ثعلبة من غطفان .

                                                                                      وقال محمد بن إسماعيل رحمه الله : كانت بعد خيبر ، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر ، يعني وشهدها . قال : وإنما جاء أبو هريرة فأسلم أيام خيبر .

                                                                                      وقال ابن إسحاق : في هذه الغزوة سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل نخلا ، فلقي بها جمعا من غطفان ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب . وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف . ثم انصرف بالناس .

                                                                                      وقال الواقدي : إنما سميت ذات الرقاع لأنه جبل كان فيه بقع حمرة وسواد وبياض ، فسمي ذات الرقاع . قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من المحرم ، على رأس سبعة وأربعين شهرا ، قدم صرارا لخمس بقين من المحرم .

                                                                                      [ ص: 458 ] وذات الرقاع قريبة من النخيل بين السعد والشقرة .

                                                                                      قال الواقدي : فحدثني الضحاك بن عثمان ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر ، وحدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن جابر ، قال : وعن مالك ، وغيره ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر ، قال : قدم قادم بجلب له ، فاشترى بسوق النبط ، وقالوا : من أين جلبك ؟ قال : جئت به من نجد ، وقد رأيت أنمارا وثعلبة قد جمعوا لكم جموعا ، وأراكم هادين عنهم . فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ، فخرج في أربعمائة من أصحابه -وقيل : سبعمائة وسلك على المضيق ، ثم أفضى إلى وادي الشقرة ، فأقام به يوما ، وبث السرايا ، فرجعوا إليه مع الليل وأخبروه أنهم لم يروا أحدا ، وقد وطئوا آثارا حديثة . ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، حتى أتى محالهم ، فإذا ليس فيها أحد ، وهربوا إلى الجبال ، فهم مطلون على النبي صلى الله عليه وسلم . وخاف الناس بعضهم بعضا . وفيها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف .

                                                                                      وقال عبد الملك بن هشام : وإنما قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم . قال : ويقال ذات الرقاع شجرة هناك . والظاهر أنهما غزوتان .

                                                                                      وقال شعيب ، عن الزهري : حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي ، وأبو سلمة ، عن جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد ، فلما قفل قفل [ ص: 459 ] معه ، فأدركته القائلة في واد كثير العضاة ، فنزل وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ، وقال هو تحت شجرة فعلق بها سيفه ، فنمنا نومة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فأجبناه ، فإذا عنده أعرابي جالس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال : من يمنعك مني ؟ قلت : الله . فشام السيف وجلس . فلم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك . متفق عليه . وشام : أغمد .

                                                                                      قال أبو عوانة ، عن أبي بشر : اسم الأعرابي " غورث بن الحارث " .

                                                                                      ثم روى أبو بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر ، قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب بن خصفة بنخل ، فرأوا من المسلمين غرة ، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث ، حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف ، فقال : من يمنعك مني ؟ قال : الله . قال : فسقط السيف من يده ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ . قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قال : لا ، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك . فخلى سبيله . فأتى أصحابه وقال : جئتكم من عند خير الناس . ثم ذكر صلاة الخوف ، وأنه صلى بكل طائفة ركعتين . وهذا صحيح إن شاء الله .

                                                                                      وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : حدثني وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق [ ص: 460 ] تمضي ، وجعلت أتخلف ، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك يا جابر ؟ قلت : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا . قال : أنخه . وساق قصة الجمل .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية