الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بجويرية وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية في السهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ، فوالله ما هو إلا أن [ ص: 471 ] رأيتها فكرهتها ، وقلت : سيرى منها مثل ما رأيت . فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، وقد كاتبت فأعني . فقال : أو خير من ذلك ، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك . فقالت : نعم ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ الناس أنه قد تزوجها ، فقالوا : أصهار رسول الله . فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية .

                                                                                      وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن يحيى بن حبان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، في قصة بني المصطلق : فبينا النبي صلى الله عليه وسلم مقيم هناك ، إذ اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري أجير عمر ، وسنان بن زيد . قال : فحدثني محمد بن يحيى أنهما ازدحما على الماء فاقتتلا ، فقال سنان : يا معشر الأنصار . وقال جهجاه : يا معشر المهاجرين . وكان زيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي ، يعني : ابن سلول ، فلما سمعها قال : قد ثاورونا في بلادنا . والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من عنده من قومه ، فقال : هذا ما صنعتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم . فسمعها زيد ، فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غليم ، وعنده عمر فأخبره الخبر . فقال عمر : يا رسول الله مر عباد [ ص: 472 ] بن بشر فليضرب عنقه . فقال : كيف إذا حدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن ناد يا عمر في الرحيل . فلما بلغ ذلك ابن أبي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر ، وحلف له بالله ما قال ذلك ، وكان عند قومه بمكان . فقالوا : يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم . وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها . فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال : والله لقد رحت في ساعة منكرة . فقال : أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي ؟ فقال : يا رسول الله فأنت والله العزيز وهو الذليل . ثم قال : يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بقية يومه وليلته ، حتى أصبحوا وحتى اشتد الضحى . ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث ، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا . ونزلت سورة المنافقين .

                                                                                      وقال ابن عيينة : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابرا يقول : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال المهاجري : يا للمهاجرين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة . فقال عبد الله بن أبي بن سلول : أوقد فعلوها ؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال : وكانت الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم ثم كثر المهاجرون بعد ذلك . فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . متفق عليه .

                                                                                      [ ص: 473 ] وقال عبيد الله بن موسى : أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، قال : حدثنا زيد بن أرقم ، قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان معنا ناس من الأعراب . فكنا نبتدر الماء ، وكانت الأعراب يسبقوننا ، فيسبق الأعرابي أصحابه ، فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، فأتى أنصاري فأرخى زمام ناقته لتشرب فمنعه ، فانتزع حجرا فغاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبي فأخبره فغضب وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله ; يعني الأعراب . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال زيد : فسمعته فأخبرت عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلف وجحد ، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني . فجاء إلي عمي فقال : ما أردت أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك المسلمون . فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط . فبينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خفقت برأسي من الهم ، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا . ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : ما قال لي شيئا . فقال : أبشر . فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين حتى بلغ منها : " الأذل "

                                                                                      وقال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : سمعت عبد الله بن أبي يقول لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فذكرت ذلك لعمي فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلفوا ما قالوا ، فصدقهم وكذبني ، فأصابني هم ، فأنزل الله تعالى :

                                                                                      [ ص: 474 ] إذا جاءك المنافقون [ المنافقون ] ، فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي ، وقال : إن الله صدقك يا زيد . أخرجه البخاري .

                                                                                      وقال أنس بن مالك : زيد بن أرقم الذي يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا الذي أوفى الله له بأذنه " . أخرجه البخاري ، من حديث عبد الله بن الفضل ، عن أنس .

                                                                                      وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفر ، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب ، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت هذه الريح لموت منافق . قال : فقدم المدينة فإذا منافق عظيم قد مات . أخرجه مسلم .

                                                                                      وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عمان سرحوا ظهرهم ، وأخذتهم ريح شديدة ، حتى أشفق الناس منها ، وقيل : يا رسول الله ما شأن هذه الريح ؟ فقال : مات اليوم منافق عظيم النفاق ، ولذلك عصفت الريح وليس عليكم منها بأس إن شاء الله ، وذلك في قصة بني المصطلق .

                                                                                      وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن شيوخه الذين روى عنهم قصة بني المصطلق ، قالوا : فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببقعاء من أرض الحجاز دون البقيع هبت ريح شديدة فخافها الناس . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخافوا فإنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفر . فوجدوا رفاعة بن زيد التابوت قد مات يومئذ ، وكان من بني قينقاع ، وكان قد أظهر الإسلام وكان كهفا للمنافقين .

                                                                                      [ ص: 475 ] وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من بني المصطلق ، أتاه عبد الله بن عبد الله بن أبي ، فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغني أنك تريد قتل أبي ، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني ، ولكني أخشى أن تأمر به رجلا مسلما فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الأرض حيا حتى أقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا ، والله أعلم .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية