الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      واستشهد يوم بدر :

                                                                                      مهجع ، وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو الخزاعي ، وعاقل بن البكير ، وصفوان بن بيضاء ، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد ، وعبيدة بن [ ص: 314 ] الحارث بن المطلب بن عبد مناف المطلبي الذي قطع رجله عتبة ، مات بعد يومين بالصفراء . وهؤلاء من المهاجرين .

                                                                                      وعمير بن الحمام ، وابنا عفراء وحارثة بن سراقة ، ويزيد بن الحارث فسحم ، ورافع بن المعلى الزرقي ، وسعد بن خيثمة الأوسي ، ومبشر بن عبد المنذر أخو أبي لبابة .

                                                                                      فالجملة أربعة عشر رجلا .

                                                                                      وقتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وهما ابنا أربعين ومائة سنة . وكان شيبة أكبر بثلاث سنين .

                                                                                      قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش : الحيسمان بن عبد الله الخزاعي . فقالوا : ما وراءك ؟ قال : قتل عتبة ، وشيبة ، وأبو جهل ، وأمية ، وزمعة بن الأسود ، ونبيه ، ومنبه ، وأبو البختري بن هشام . فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر : والله إن يعقل هذا فسلوه عني : فقالوا : ما فعل صفوان ؟ قال : ها هو ذاك جالسا ، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا .

                                                                                      وعن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاما للعباس وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت ، وكان العباس يهاب قومه ويكره الخلاف ويكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه . وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، فلما جاءه الخبر بمصاب قريش كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزة ، وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أنحت الأقداح في حجرة زمزم ، فإني لجالس أنحت [ ص: 315 ] أقداحي ، وعندي أم الفضل ، وقد سرنا الخبر ، إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهري . فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم . فقال أبو لهب : إلي ، فعندك الخبر . قال : فجلس إليه ، والناس قيام عليه ، فقال : يا ابن أخي ، أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسرونا ، وايم الله ما لمت الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء .

                                                                                      قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك والله الملائكة . فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة . قال : وثاورته ، فحملني وضرب بي الأرض ، ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا . فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فأخذته فضربته به ضربة ، فلقت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : استضعفته أن غاب عنه سيده ؟ فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال ، حتى رماه الله بالعدسة فقتلته . وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما يتقى الطاعون ، حتى قال رجل من قريش لابنيه : ويحكما ؟ ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته ألا تدفنانه ؟ فقالا : نخشى عدوى هذه القرحة . فقال : انطلقا فأنا أعينكما فوالله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد . ثم احتملوه إلى أعلى مكة ، فأسندوه إلى جدار ، ثم رضموا عليه [ ص: 316 ] الحجارة .

                                                                                      رواه محمد بن إسحاق من طريق يونس بن بكير عنه بمعناه . قال : حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال : حدثني أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                      وروى عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : ناحت قريش على قتلاها ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم .

                                                                                      وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده : زمعة ، وعقيل ، والحارث . فكان يحب أن يبكي عليهم .

                                                                                      قال ابن إسحاق : ثم بعثت قريش في فداء الأسارى ، فقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ، فقال : لا أمثل به فيمثل الله بي ، وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه . فقام في أهل مكة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من خطبة أبي بكر الصديق ، وحسن إسلامه .

                                                                                      وانسل المطلب بن أبي وداعة ، ففدى أباه بأربعة آلاف درهم ، وانطلق به .

                                                                                      وبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس ، بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة [ ص: 317 ] أدخلتها بها على أبي العاص . فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها . قالوا : نعم ، يا رسول الله . وأطلقوه .

                                                                                      فأخذ عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلي سبيل زينب ، وكانت من المستضعفين من النساء ، واستكتمه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وبعث زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها . وذلك بعد بدر بشهر .

                                                                                      فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فتجهزت . فقدم أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا ، فركبته وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقودها ، فتحدث بذلك رجال ، فخرجوا في طلبها ، فبرك كنانة ونثر كنانته لما أدركوها لذي طوى ، فروعها هبار بن الأسود بالرمح . فقال كنانة : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما . فتكركر الناس عنه . وأتى أبو سفيان في جلة من قريش ، فقال : أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك . فكف ، فوقف عليه أبو سفيان فقال : إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية أن ذلك على ذل أصابنا ، وأن ذلك منا وهن وضعف ، ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات ، وتحدث الناس أنا رددناها ، فسلها سرا وألحقها بأبيها . قال : ففعل ، ثم خرج بها ليلا ، بعد ليال ، فسلمها إلى زيد وصاحبه ، فقدما بها على النبي صلى الله عليه وسلم فأقامت عنده .

                                                                                      [ ص: 318 ] فلما كان قبل الفتح ، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بماله ، وبمال كثير لقريش ، فلما رجع لقيته سرية فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هاربا ، فقدموا بما أصابوا . وأقبل أبو العاص في الليل ، حتى دخل على زينب ، فاستجار بها فأجارته ، وجاء في طلب ماله . فلما خرج صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وكبر وكبر الناس معه ، صرخت زينب من صفة النساء : أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع .

                                                                                      وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى السرية الذين أصابوا ماله فقال : " إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له ، فإنا نحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم ، فأنتم أحق به " . قالوا : بل نرده ، فردوه كله . ثم ذهب به إلى مكة ، فأدى إلى كل ذي مال ماله . ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما . قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم .

                                                                                      ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن ابن عباس قال : رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول ، لم يحدث شيئا .

                                                                                      ومن الأسارى : الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، أسره عبد الله بن جحش ، وقيل : سليط المازني .

                                                                                      وقدم في فدائه أخواه : خالد بن الوليد ، وهشام بن الوليد ، فافتكاه بأربعة آلاف درهم ، وذهبا به .

                                                                                      فلما افتدي أسلم ، فقيل له في ذلك فقال : كرهت أن يظنوا بي أني [ ص: 319 ] جزعت من الأسر ، فحبسوه بمكة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ، ثم هرب ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية ، وتوفي قديما ; لعل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فبكته أم سلمة ، وهي بنت عمه :


                                                                                      يا عين فابكي للولي د بن الوليد بن المغيره     قد كان غيثا في السني
                                                                                      ن ورحمة فينا وميره     ضخم الدسيعة ماجدا
                                                                                      يسمو إلى طلب الوتيره     مثل الوليد بن الوليد
                                                                                      أبي الوليد كفى العشيره

                                                                                      ومن الأسرى : أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي . كان محتاجا ذا بنات ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : قد عرفت أني لا مال لي ، وأني ذو حاجة وعيال ، فامنن علي . فمن عليه ، وشرط عليه أن لا يظاهر عليه أحدا .

                                                                                      وقال عروة بن الزبير : جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر بيسير في الحجر ، وكان عمير من شياطين قريش ، وممن يؤذي المسلمين ، وكان ابنه وهيب في الأسرى ، فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله إن في العيش بعدهم لخيرا ، فقال عمير : صدقت ، والله لولا دين علي ليس عندي له قضاء ، وعيال أخشى عليهم ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي فيهم علة ; ابني أسير في أيديهم . فاغتنمها صفوان فقال : علي دينك وعيالك . قال : فاكتم علي . ثم شحذ سيفه وسمه ، ومضى إلى المدينة .

                                                                                      فبينا عمر في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، إذ نظر عمر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشحا بالسيف . فقال : هذا الكلب عدو الله عمير ، قال : وهو الذي حزرنا يوم بدر . ثم دخل على [ ص: 320 ] النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا عمير . قال : أدخله علي . فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه ، فلببه به ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيث . ثم دخل به فقال عليه السلام : أرسله يا عمر ، ادن يا عمير . فدنا ، ثم قال : أنعموا صباحا ، قال : فما جاء بك ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم . قال : فما بال السيف في عنقك ؟ قال : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟ قال : اصدقني ما الذي جئت له ؟ قال : ما جئت إلا لذلك . قال : بلى ، قعدت أنت وصفوان في الحجر ، وقص له ما قالا . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما تأتينا به من خبر السماء ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره . ففعلوا .

                                                                                      ثم قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله ورسوله ، لعل الله أن يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم . فأذن له ولحق بمكة . وكان صفوان يعد قريشا يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن تنسيكم وقعة بدر . وكان صفوان يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكبا فأخبره عن إسلامه ، فحلف لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بشيء أبدا . ثم أقام يدعو إلى الإسلام ، ويؤذي المشركين ، فأسلم على يديه ناس كثير .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية