الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غزوة بني قريظة

غزوة بني قريظة

وكانوا قد ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفيهم نزلت ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ( 26 ) ) [ الأحزاب ] الآيتين .

قال هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : لما رجع رسول صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل وقال : وضعت السلاح ؟ والله ما وضعناه ، اخرج إليهم . قال : فأين ؟ قال : هاهنا . وأشار إلى بني قريظة . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم . متفق عليه .

وقال حميد بن هلال ، عن أنس : كأني أنظر إلى الغبار ساطعا من سكة بني غنم ، موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة . البخاري .

وقال جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون قريظة . وقال آخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت . فما عنف واحدا من الفريقين . متفق عليه .

وعند مسلم في بعض طرقه : الظهر بدل العصر . وكأنه وهم .

وقال بشر بن شعيب ، عن أبيه ، قال : حدثنا الزهري ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عمه عبيد الله بن كعب [ ص: 507 ] أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة واغتسل واستجمر ، فتبدى له جبريل عليه السلام ، فقال : عذيرك من محارب ، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد . فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة . فلبسوا السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروبها ، فقال بعضهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة ، وإنما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليس علينا إثم . وصلى طائفة من الناس احتسابا ، وتركت طائفة حتى غربت الشمس فصلوا حين جاءوا بني قريظة . فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين .

وروى نحوه عبد الله بن عمر ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، وفيه أن رجلا سلم علينا ونحن في البيت ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا ، فقمت في إثره ، فإذا بدحية الكلبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة ، وقال : وضعتم السلاح ، لكنا لم نضع السلاح ، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد . وفيه : فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجالس بينه وبين بني قريظة ، فقال : هل مر بكم من أحد ؟ قالوا : مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج . قال : ليس ذاك بدحية الكلبي ولكنه جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب . فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمر أصحابه أن يستروه بالحجف حتى يسمعهم كلامه . فناداهم : يا إخوة القردة والخنازير ، فقالوا : يا أبا القاسم لم تك فحاشا . فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، وكانوا حلفاءه ، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم .

[ ص: 508 ] وقال محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن جده علقمة ، عن عائشة ، قالت : جاء جبريل وعلى ثناياه النقع ، فقال : أوضعت السلاح ؟ والله ما وضعته الملائكة ، اخرج إلى بني قريظة . فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، وأذن بالرحيل ، ثم مر على بني عمرو فقال : من مر بكم ؟ قالوا : دحية . وكان دحية يشبه لحيته ووجهه جبريل . فأتاهم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، ثم نزلوا على حكم سعد ، وذكر الحديث بطوله في مسند أحمد .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا معه رايته وابتدر الناس .

وقال موسى بن عقبة : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر جبريل ، فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألهم : مر عليكم فارس آنفا ؟ فقالوا : مر علينا دحية على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة من ديباج عليه اللأمة . قال : ذاك جبريل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية بجبريل . قال : ولما رأى علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا تلقاه . وقال : ارجع يا رسول الله ، فإن الله كافيك اليهود . وكان علي سمع منهم قولا سيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه . فكره علي أن يسمع ذلك ، فقال : لم تأمرني بالرجوع ؟ فكتمه ما سمع منهم . فقال : أظنك سمعت لي منهم أذى ؟ فامض فإن أعداء الله لو قد رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت .

فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصنهم ، وكانوا في أعلاه ، نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافها حتى أسمعهم فقال : أجيبوا يا معشر يهود يا [ ص: 509 ] إخوة القردة ، لقد نزل بكم خزي الله . فحاصرهم صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ، ورد الله حيي بن أخطب حتى دخل حصنهم ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، واشتد عليهم الحصار ، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاء الأنصار . فقال : لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : قد أذنت لك . فأتاهم ، فبكوا إليه وقالوا : يا أبا لبابة ، ماذا ترى ، فأشار بيده إلى حلقه ، يريهم أن ما يراد بكم القتل . فلما انصرف سقط في يده ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة ، فقال : والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي . فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد . فزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر ، حين راث عليه أبو لبابة : أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ؟ قالوا : يا رسول الله ، قد والله انصرف من عند الحصن وما ندري أين سلك . فقال : قد حدث له أمر . فأقبل رجل فقال : يا رسول الله ، رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أصابته بعدي فتنة ، ولو جاءني لاستغفرت له . فإذ فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما شاء .

وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، فذكر نحو ما قص موسى بن عقبة ، وعنده : فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وأذن بالخروج ، وأمرهم أن يأخذوا السلاح . ففزع الناس للحرب ، وبعث عليا على المقدمة ودفع إليه اللواء . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على آثارهم . ولم يقل بضع عشرة ليلة .

[ ص: 510 ] وقال يونس بن بكير ، والبكائي - واللفظ له - عن ابن إسحاق ، قال : حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب . وكان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه ، فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد : يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم . قالوا : وما هي ؟ قال : نبايع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم ، وأموالكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره . قال : فإذ أبيتم علي هذه ، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء . قالوا : نقتل هؤلاء المساكين ، فما خير العيش بعدهم ؟ قال : فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة . قالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا ، إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ؟ قال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما .

رواه يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، لكنه قال عن أبيه ، عن معبد بن كعب بن مالك ، فذكره وزاد فيه : ثم بعثوا يطلبون أبا لبابة ، وذكر ربطه نفسه .

[ ص: 511 ] وزعم سعيد بن المسيب : أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك حين أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه عاتب ، بما فعل يوم قريظة ، ثم تخلف عن غزوة تبوك فيمن تخلف . والله أعلم .

وفي رواية علي بن أبي طلحة ، وعطية العوفي ، عن ابن عباس في ارتباطه حين تخلف عن تبوك ما يؤكد قول ابن المسيب . وقيل : نزلت هذه الآية في أبي لبابة ( يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ( 27 ) ) [ الأنفال ] .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة ، قالت أم سلمة : فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك ، فقلت : مم تضحك ؟ قال : تيب على أبي لبابة . قلت : أفلا أبشره ؟ قال : إن شئت . قال : فقامت على باب حجرتها ، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب ، فقالت : يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك . قالت : فثار إليه الناس ليطلقوه . فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده . فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه .

قال عبد الملك بن هشام : أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال : تأتيه امرأته في وقت كل صلاة تحله للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، فيما حدثني بعض أهل العلم . والآية التي نزلت في توبته : ( وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ( 102 ) ) [ التوبة ] الآية .

قال ابن إسحاق : ثم إن ثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، وهم نفر من هدل ، أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قريظة [ ص: 512 ] على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

شعبة : أخبرني سعد بن إبراهيم ، قال : سمعت أبا أمامة بن سهل يحدث عن أبي سعيد قال : نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه على حمار . فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قوموا إلى سيدكم ، أو إلى خيركم فقال : إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك ، فقال : تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت عليهم بحكم الله . وربما قال : بحكم الملك . متفق عليه .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : قاموا إليه فقالوا : يا أبا عمرو ، قد ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مواليك لتحكم فيهم . فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ؟ قالوا : نعم . قال : وعلى من هاهنا من الناحية التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له ، ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . فقال سعد : أحكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري .

شعبة وغيره : عن عبد الملك بن عمير ، عن عطية القرظي ، قال : كنت في سبي قريظة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أنبت أن يقتل ، فكنت فيمن لم ينبت .

موسى بن عقبة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألوه أن يحكم فيهم رجلا : اختاروا من شئتم من أصحابي ؟ فاختاروا سعد بن معاذ ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلوا على حكمه . فأمر عليه السلام بسلاحهم فجعل في قبته ، وأمر بهم فكتفوا وأوثقوا وجعلوا في دار أسامة . وبعث [ ص: 513 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ، فأقبل على حمار أعرابي يزعمون أن وطاءه برذعة من ليف ، واتبعه رجل من بني الأشهل ، فجعل يمشي معه ويعظم حق بني قريظة ويذكر حلفهم والذي أبلوه يوم بعاث ، ويقول : اختاروك على من سواك رجاء رحمتك وتحننك عليهم ، فاستبقهم فإنهم لك جمال وعدد . فأكثر ذلك الرجل ، وسعد لا يرجع إليه شيئا ، حتى دنوا ، فقال الرجل : ألا ترجع إلي فيما أكلمك فيه ؟ فقال سعد : قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم . ففارقه الرجل ، فأتى قومه فقالوا : ما وراءك ؟ فأخبرهم أنه غير مستبقيهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مقاتلتهم ، وكانوا فيما زعموا ستمائة مقاتل قتلوا عند دار أبي جهم بالبلاط ، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت التي كانت بالسوق ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وقسم أموالهم بين من حضر من المسلمين . وكانت خيل المسلمين ستة وثلاثين فرسا . وأخرج حيي بن أخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل أخزاك الله ؟ قال له : لقد ظهرت علي وما ألوم إلا نفسي في جهادك والشدة عليك . فأمر به فضربت عنقه . كل ذلك بعين سعد .

وكان عمرو بن سعدى اليهودي في الأسرى ، فلما قدموه ليقتلوه فقدوه فقيل : أين عمرو ؟ قالوا : والله ما نراه ، وإن هذه لرمته التي كان فيها ، فما ندري كيف انفلت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلتنا بما علم الله في نفسه . وأقبل ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هب لي الزبير ; يعني ابن باطا وامرأته . فوهبهما له ، فرجع ثابت إلى الزبير ، فقال : يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني - وكان الزبير يومئذ أعمى كبيرا قال : هل ينكر الرجل أخاه ؟ قال ثابت : أردت أن أجزيك اليوم بيدك ، قال : افعل ، فإن الكريم يجزي الكريم ، فأطلقه . فقال : ليس لي [ ص: 514 ] قائد ، وقد أخذتم امرأتي وبني ، فرجع ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله ذرية الزبير وامرأته ، فوهبهم له ، فرجع إليه فقال : قد رد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتك وبنيك . قال الزبير : فحائط لي فيه أعذق ليس لي ولأهلي عيش إلا به . فوهبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له ثابت : أسلم ، قال : ما فعل المجلسان ؟ فذكر رجالا من قومه بأسمائهم . فقال ثابت : قد قتلوا وفرغ منهم ، ولعل الله أن يهديك . فقال الزبير : أسألك بالله وبيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم ، فما في العيش خير بعدهم . فذكر ذلك ثابت لرسول الله ، فأمر بالزبير فقتل .

قال الله تعالى في بني قريظة في سياق أمر الأحزاب : وأنزل الذين ظاهروهم يعني : الذين ظاهروا قريشا : ( من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ( 26 ) ) [ الأحزاب ] .

وقال عروة في قوله : ( وأرضا لم تطئوها ( 27 ) ) [ الأحزاب ] . هي خيبر .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة .

وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث النجارية ، وخرج إلى سوق المدينة ، فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق . وفيهم حيي بن أخطب ، وكعب بن أسد رأس القوم . وهم ستمائة أو سبعمائة ، [ ص: 515 ] والمكثر يقول : كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة . وقد قالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا : يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفي كل موطن لا تعقلون . أما ترون الداعي لا ينزع ، وأنه من ذهب منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل . وأتي بحيي بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقها من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله ما لمت نفسي في عدواتك ، ولكنه من يخذل الله يخذل . ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله . كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل . ثم جلس فضربت عنقه .

وقال ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عمه عروة ، عن عائشة ، قالت : لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة ، قالت : إنها والله لعندي تحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف : يا بنت فلانة . قالت : أنا والله . قلت : ويلك ، ما لك ؟ قالت : أقتل . قلت : ولم ؟ قالت : حدث أحدثته . فانطلق بها فضربت عنقها .

قال عكرمة وغيره : صياصيهم : حصونهم .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد ، أخا بني عبد الأشهل بسبايا بني قريظة إلى نجد ، فابتاع له بهم خيلا وسلاحا . وكان صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة ، وكانت عنده حتى توفي وهي في ملكه ، وعرض عليها أن يتزوجها ، ويضرب عليها الحجاب ، فقالت : يا رسول الله بل تتركني في مالك فهو [ ص: 516 ] أخف عليك وعلي . فتركها . وقد كانت أولا توقفت عن الإسلام ثم أسلمت . فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، والله أعلم .

وفي ذي الحجة :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث