الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

النوع الثالث عشر : وضع الظاهر موضع المضمر .

ورأيت فيه تأليفا مفردا لابن الصائغ وله فوائد منها :

زيادة التقرير والتمكين : نحو : قل هو الله أحد الله الصمد [ الإخلاص : 1 ، 2 ] ، والأصل هو الصمد . وبالحق أنزلناه وبالحق نزل [ الإسراء : 105 ] ، إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [ غافر : 61 ] ، لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله [ آل عمران : 78 ] .

ومنها : قصد التعظيم : نحو : واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم [ البقرة : 282 ] ، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون [ المجادلة : 22 ] ، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [ الإسراء : 78 ] ، ولباس التقوى ذلك خير [ الأعراف : 26 ] .

ومنها : قصد الإهانة والتحقير : نحو : أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون [ المجادلة : 19 ] ، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان [ الإسراء : 53 ] .

ومنها : إزالة اللبس حيث يوهم الضمير أنه غير الأول : نحو : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك [ آل عمران : 26 ] ، لو قال : ( تؤتيه ) لأوهم أنه الأول ، قاله ابن الخشاب . الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء [ الفتح : 6 ] ؛ لأنه لو قال : ( عليهم دائرته ) لأوهم أن الضمير عائد إلى الله تعالى . فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه [ يوسف : 76 ] ، لم يقل : ( منه ) لئلا يتوهم عود الضمير إلى الأخ فيصير كأنه مباشر بطلب خروجها ، وليس كذلك ، لما في المباشرة من الأذى الذي تأباه النفوس [ ص: 123 ] الأبية ، فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا ، ولم يقل : ( من وعائه ) لئلا يتوهم عود الضمير إلى يوسف ؛ لأن العائد عليه ضمير استخرجها .

ومنها : قصد تربية المهابة ، وإدخال الروع على ضمير السامع بذكر الاسم المقتضي لذلك كما تقول : الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا . ومنه : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ النساء : 58 ] ، إن الله يأمر بالعدل [ النحل : 90 ] .

ومنها : قصد تقوية داعية الأمور : ومنه : فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين .

ومنها : تعظيم الأمر : نحو : أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير [ العنكبوت : 19 ] ، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق [ العنكبوت : 20 ] ، هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان [ الإنسان : 1 ، 2 ] .

ومنها : الاستلذاذ بذكره : ومنه : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة [ الزمر : 74 ] ، لم يقل : ( منها ) ، ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة .

ومنها : قصد التوسل من الظاهر إلى الوصف : ومنه : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله بعد قوله : إني رسول الله [ الأعراف : 158 ] ، لم يقل : ( فآمنوا بالله ربي ) ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها ليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الصفات ، ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك ؛ لأنه لا يوصف .

ومنها : التنبيه على علية الحكم : نحو : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا [ البقرة : 59 ] ، فإن الله عدو للكافرين [ البقرة : 98 ] ، لم يقل لهم إعلاما بأن من عادى هؤلاء فهو كافر ، وإن الله إنما عاداه لكفره . فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون [ يونس : 17 ] ، والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين [ الأعراف : 170 ] ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا [ الكهف : 30 ] .

[ ص: 124 ] ومنها : قصد العموم : نحو : وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة [ يوسف : 53 ] ، لم يقل : ( إنها ) لئلا يفهم تخصيص ذلك بنفسه . أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا [ النساء : 151 ] .

ومنها : قصد الخصوص : نحو : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي [ الأحزاب : 50 ] ، لم يقل لك تصريحا بأنه خاص به .

ومنها : الإشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الأولى : نحو : فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل [ الشورى : 24 ] ، فإن ( ويمح الله ) استئناف لا داخل في حكم الشرط .

ومنها : مراعاة الجناس : ومنه : قل أعوذ برب الناس السورة ، ذكره الشيخ عز الدين ، ومثله ابن الصائغ بقوله : خلق الإنسان من علق [ العلق : 2 ] ، ثم قال : علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى ، فإن المراد بالإنسان الأول الجنس ، وبالثاني آدم ، أو من يعلم الكتابة ، أو إدريس . وبالثالث أبو جهل .

ومنها : مراعاة الترصيع وتوازن الألفاظ في التركيب : ذكره بعضهم في قوله : أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [ البقرة : 282 ] .

ومنها : أن يتحمل ضميرا لا بد منه : ومنه : أتيا أهل قرية استطعما أهلها [ الكهف : 77 ] ، لو قال ( استطعماها ) لم يصح ؛ لأنهما لم يستطعما القرية ، أو : ( استطعماهم ) فكذلك ; لأن جملة ( استطعما ) صفة ل ( قرية ) نكرة ، لا ل ( أهل ) ، فلا بد أن يكون فيها ضمير يعود عليه ، ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر ، كذا حرره السبكي في جواب سؤال سأله الصلاح الصفدي في ذلك حيث قال :


أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا بدا وجهه استحيا له القمران


ومن كفه يوم الندى ويراعه     على طرسه بحران يلتقيان


ومن إن دجت في المشكلات مسائل     جلاها بفكر دائم اللمعان


رأيت كتاب الله أكبر معجز     لأفضل من يهدى به الثقلان


ومن جملة الإعجاز كون اختصاره     بإيجاز ألفاظ وبسط معان


ولكنني في الكهف أبصرت آية     بها الفكر في طول الزمان عناني


وما هي إلا ( استطعما أهلها ) فقد     نرى استطعماهم مثله ببيان

[ ص: 125 ]

فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر     مكان ضمير إن ذاك لشان


فأرشد على عادات فضلك حيرتي     فما لي بها عند البيان يدان


التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث