الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الثامن والستون في جدل القرآن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 285 ] فصل .

من الأنواع المصطلح عليها في علم الجدل : السبر والتقسيم .

ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى : ثمانية أزواج من الضأن اثنين [ الأنعام : 143 ] . الآيتين فإن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة ، وإناثها أخرى رد تعالى ذلك عليهم بطريق السبر والتقسيم ، فقال : إن الخلق لله تعالى خلق من كل زوج مما ذكر ذكرا وأنثى ، فمم جاء تحريم ما ذكرتم أي : ما علته لا يخلو إما أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة أو اشتمال الرحم الشامل لهما ، أو لا يدري له علة ، وهو التعبدي بأن أخذ ذلك عن الله تعالى والأخذ عن الله تعالى إما بوحي وإرسال رسول أو سماع كلامه ، ومشاهدة تلقي ذلك عنه وهو معنى قوله أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا [ الأنعام : 144 ] . فهذه وجوه التحريم لا تخرج عن واحد منها .

والأول يلزم عليه أن يكون جميع الذكور حراما .

والثاني يلزم عليه أن تكون جميع الإناث حراما .

والثالث يلزم عليه تحريم الصنفين معا ، فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة وبعض في حالة ، لأن العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم والأخذ عن الله بلا واسطة باطل ولم يدعوه ، وبواسطة رسول كذلك ، لأنه لم يأت إليهم رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدعى ، وهو أن ما قالوه افتراء على الله وضلال .

ومنها : القول بالموجب . قال ابن أبي الإصبع : وحقيقته رد كلام الخصم من فحوى كلامه .

وقال غيره : هو قسمان .

أحدهما : أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فيثبتها لغير ذلك الشيء ، كقوله تعالى :يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة [ المنافقون : 8 ] . الآية ف الأعز وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم و الأذل عن فريق المؤمنين ، وأثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة ، فأثبت الله في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم ، وهو الله ورسوله والمؤمنون ، وكأنه قيل : صحيح ذلك ليخرجن الأعز منها الأذل ، لكن هم الأذل المخرج ، والله ورسوله الأعز المخرج .

[ ص: 286 ] والثاني : حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه ، ولم أر من أورد له مثالا من القرآن ، وقد ظفرت بآية منه وهي قوله تعالى : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم [ التوبة : 61 ] .

ومنها : التسليم ، وهو أن يفرض المحال إما منفيا أو مشروطا بحرف الامتناع ، لكون المذكور ممتنع الوقوع لامتناع وقوع شرطه ، ثم يسلم وقوع ذلك تسليما جدليا ، ويدل على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه ، كقوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض [ المؤمنون : 9 ] . المعنى : ليس مع الله من إله ، ولو سلم أن معه سبحانه وتعالى إلها لزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق ، وعلو بعضهم على بعض ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله ، والواقع خلاف ذلك ، ففرض إلهين فصاعدا محال لما يلزم منه المحال .

ومنها : الإسجال وهو الإتيان بألفاظ تسجل على المخاطب وقوع ما خوطب به نحو : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك [ آل عمران : 194 ] . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم [ غافر : 8 ] . فإن في ذلك إسجالا بالإيتاء والإدخال ، حيث وصفا بالوعد من الله الذي لا يخلف وعده .

ومنها : الانتقال وهو أن ينتقل المستدل إلى استدلال غير الذي كان آخذا فيه ، لكون الخصم لم يفهم وجه الدلالة من الأول ، كما جاء في مناظرة الخليل الجبار لما قال له : ربي الذي يحيي ويميت [ البقرة : 258 ] . فقال الجبار : أنا أحيي وأميت ثم دعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه ، ومن لا يجب عليه فقتله ، فعلم الخليل أنه لم يفهم معنى الإحياء والإماتة ، أو علم ذلك وغالط بهذا الفعل ، فانتقل عليه السلام إلى استدلال لا يجد الجبار له وجها يتخلص به منه ، فقال : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب [ البقرة : 258 ] . فانقطع الجبار وبهت ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق لأن من هو أسن منه يكذبه .

ومنها : المناقضة وهي تعليق أمر على مستحيل ، إشارة إلى استحالة وقوعه كقوله تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [ الأعراف : 40 ] .

ومنها : مجاراة الخصم ليعثر بأن يسلم بعض مقدماته ، حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كقوله تعالى : قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم [ إبراهيم : 10 ، 11 ] . الآية [ ص: 287 ] . فقولهم : إن نحن إلا بشر مثلكم الآية . . فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشرية ، فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم ، وليس مرادا بل هو من مجاراة الخصم ليعثر ، فكأنهم قالوا : ما ادعيتم من كوننا بشرا حق لا ننكره ولكن هذا لا ينافي أن يمن الله تعالى علينا بالرسالة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث