الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ويتعلق الغرض ها هنا بأربعة أطراف :

الأول : بآداب قضاء الحاجة ، وهي ثلاثة عشر أدبا .

الأول : من الجواهر : طلب مكان بعيد ؛ لما في أبي داود كان عليه السلام إذا ذهب أبعد .

الثاني : قال : يستصحب ما يزيل به الأذى .

الثالث : قال : أن يتقي الملاعن لقوله عليه السلام : ( اتقوا اللاعنين قالوا يا رسول الله ، وما اللاعنان قال : الذي يتخلى في طريق الناس ، أو ظلهم ) ويلحق بذلك مجالسهم ، والشجر لصيانة الثمر ، والأنهار لصيانة الموارد .

[ ص: 202 ] وسميت هذه ملاعن ، من باب تسمية المكان بما يقع فيه ، كتسمية الحرم حراما ، والبلد آمنا ، لما حل فيهما من تحريم الصيد ، وأمنه ، ولما كانت هذه المواضع يقع فيها لعن الفاعل الغائط من الناس سميت ملاعن .

الرابع : قال : يجتنب الموضع الصلب حذرا من الرشاش .

الخامس : قال : يجتنب المياه الدائمة المحبوسة ؛ لقوله عليه السلام في مسلم : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ثم يغتسل منه ) ومحمله عند علمائنا على سد الذريعة عن فساده لئلا يتوالى ذلك فيفسد الماء على الناس .

السادس : قال : تقديم الذكر قبل دخول محل الخلاء ؛ لما في أبي داود : إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل : أعوذ بالله من الخبث والخبائث .

قال الخطابي : المحدثون يروون الخبث بإسكان الباء ، والصواب ضمها قال القاضي عياض : الحشوش بالحاء المهملة المضمومة ، وشينين معجمتين : المراحيض واحدها الحش ، وهو النخل المجتمع بضم الحاء وفتحها ، وكانوا يستترون بها قبل اتخاذ الكنف ، وأصلها من الحش بالفتح ، وهو الزبر يكتنف الكنف ، أو يبرز منه فيها ، ومعنى محتضرة : أي تحضرها الشياطين ، قال غيره : الخبث جمع خبيث ، والخبائث جمع خبيثة ، فأمر عليه السلام بالاستعاذة من ذكور الجن ، وإناثها قال ابن الأعرابي : والخبث بالضم لغة المكروه .

يقول ذلك قبل دخوله إلى موضع الحدث ، أو بعد وصوله إن كان الموضع غير معد للحدث ، وقيل : يجوز ، وإن كان معدا له كما جرى الخلاف في جواز الاستنجاء بالخاتم مكتوبا فيه ذكر الله تعالى . قال صاحب الطراز : جوز مالك - رحمه الله - أن يدخل الخلاء ، ومعه الدينار ، والدرهم مكتوبا عليه اسم الله تعالى ، وجوز الاستنجاء بالخاتم وفيه اسم الله تعالى ، وقال : لم يكن من مضى يتحرز منه . قال ابن القاسم : وأنا أستنجي به ، وفيه ذكر الله تعالى ، قال صاحب البيان : وهذا محمول من ابن القاسم على أنه كان يعسر قلعه ، وإلا فاللائق بورعه [ ص: 203 ] غير هذا ، وكره ذلك ابن حبيب ، وهذا أحسن ؛ لكراهة مالك - رحمه الله - معاملة أهل الذمة بالدراهم ، والدنانير فيها اسم الله تعالى لنجاستهم ، وفي الترمذي كان عليه السلام إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ، وصححه الترمذي ، وضعفه أبو داود ، وفي الصحيحين النهي عن مس الذكر باليمنى ، وذكر الله تعالى أعظم من ذلك .

السابع : قال : يديم الستر حتى يدنو من الأرض لما في الترمذي أنه عليه السلام كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض . ويروى أن الله تعالى أوحى لإبراهيم عليه السلام إن استطعت ألا تنظر الأرض عورتك ، فافعل ، فاتخذ السراويل .

الثامن : قال : يبول جالسا إن كان المكان طاهرا ؛ لما في الترمذي قالت عائشة رضي الله عنها : من حدثكم أنه عليه السلام كان يبول قائما فلا تصدقوه ، وما كان عليه السلام يبول إلا قاعدا ، ولأنه أبعد عن التنجيس ، فإن كان المكان رخوا نجسا ، فله أن يبول قائما ؛ لما في مسلم أنه عليه السلام أتى سباطة قوم خلف حائط ، فقام كما يقوم أحدكم ، فبال .

والسباطة موضع الزبالة ، ورمي القاذورات ، فلذلك بال عليه السلام قائما .

التاسع : الصمت ؛ لما في أبي داود : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان ، فإن الله تعالى يمقت على ذلك .

ولا يرد سلاما ؛ لما في الترمذي أنه عليه السلام مر عليه رجل ، وهو يبول ، فسلم ، فلم يرد عليه . قال صاحب الطراز : وهذا يقتضي ألا يشمت عاطسا ، ولا يحمد إن عطس ، ولا يحاكي مؤذنا .

العاشر : قال : يجتنب البول في الجحر ؛ لما في أبي داود : نهى عليه السلام أن يبال في الجحر قيل : لأنها مساكن الجن ، وقيل : خشية أذية الهوام الخارجة منها إما بسمها ، وإما بتنفيرها إياه فيتنجس .

الحادي عشر : قال : يجتنب المستحم ؛ لما في الترمذي : أنه عليه السلام قال : [ ص: 204 ] ( لا يبولن أحدكم في مستحمه ، ثم يتوضأ فيه ، أو يغتسل منه ، فإن عامة الوسواس منه ) .

الثاني عشر : قال صاحب الطراز : كان عليه السلام إذا خرج من الخلاء قال : ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ، وعافاني ) وربما قال : ( غفرانك ) رواه أبو داود قيل : استغفاره لترك الذكر حالة الحاجة ، وعادته الذكر دائما ، وقيل : إظهارا للعجز عن شكر النعم ، وقيل : لأن عادته الاستغفار حتى كان يحفظ عنه في المجلس الواحد مائة مرة ، فجرى على عادته .

وورد على الأول : أن ترك الذكر في تلك الحالة طاعة تأبى الاستغفار ، وعلى الثاني : أن النعم في كل وقت معجوز عن شكرها ، فما وجه الاختصاص ؟ والصحيح الثالث .

الثالث عشر : في الجواهر : يجتنب القبلة ؛ لما في الموطأ من قوله عليه السلام : ( إذا أتيتم الغائط ، فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ببول أو غائط ، ولكن شرقوا أو غربوا ) فإن كان الموضع لا ساتر فيه ، ولا مراحيض ، فلا يجوز استقبالها ، ولا استدبارها ، وإن وجد الساتر والمراحيض جاز ذلك ؛ لما في الموطأ أن ابن عمر رضي الله عنهما رآه عليه السلام في بيت حفصة مستدبرا الكعبة مستقبلا بيت المقدس ، فإن وجد المرحاض بغير سترة جاز كمرحاض السطوح لما فيه من الحاجة .

قال مالك - رحمه الله - : ولم تعن هذه المراحيض بالحديث .

ويسمى مرحاض السطوح كرياسا ، وما كان في الأرض كنيفا .

وإن وجد الساتر بغير مرحاض جاز أيضا ؛ لما في أبي داود أن ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة ، ثم جلس يبول إليها ، فقيل له : أليس قد نهي عن هذا ، فقال : لا إنما نهي عن ذلك في الفضاء ، فإن كان بينك وبين [ ص: 205 ] القبلة شيء يستر ، فلا بأس ، وقيل : لا يجوز ، والخلاف يخرج على علة هذا الحكم ، فقيل : إجلالا لجهة الكعبة ؛ لما روى البزار عنه عليه السلام : من جلس يبول قبالة القبلة ، فذكر : فينحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له ، وقال الشعبي : ذلك لحرمة المصلين ، والحشوش لا يصلى فيها ، وهذا أولى لجمعه بين الحديثين .

كشف : إباحة استقبال المشرق والمغرب بالبول مخصوص ببلاد الشام واليمن ، وكل ما هو شمال البيت أو جنوبه ، فإن الشام شماله ، واليمن جنوبه فيكون البائل حينئذ يقابل البيت ، والمصلين بجنبه لا بعورته ، وهو المطلوب ، أما من كان المشرق والمغرب قبلته فينهى عن استقبالهما واستدبارهما ، ويباح الجنوب والشمال صونا لما أشار الشرع لصونه من الكعبة ، أو المصلين ، ومن قبلته النكباء التي بين الجنوب والصبا كبلاد مصر يستقبل النكباء التي بين المغرب والجنوب أو يستدبرها ، وقس على ذلك سائر الجهات ، وصمم على أن الحديث خاص منبه ، وليس عاما للأقطار ، فإنه عليه الصلاة والسلام خاطب به أهل المدينة ، وهم من أهل الشمال ، فكان الحديث موافقا لهم .

تتميم : الرياح ثمانية : الصبا وهي الشرقية ، والدبور وهي الغربية ، والجنوب وهي القبلية وتسمى اليمانية ، والشمالية وهي التي تقابلها وتسمى بمصر البحرية لكونها تأتي من جهة بحر الروم ، وتسمى الجنوبية المريسية لكونها تمر على مريسة من بلاد السودان ، وكل ريح بين ريحين فهي نكباء ؛ لكونها نكبت عن مجرى جارتيها ، فالأصول أربعة ، والنواكب أربعة ، وتأتي تتمة ذلك في استقبال القبلة في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .

فرعان :

الأول : قال صاحب الطراز : لا يكره استقبال بيت المقدس ؛ لأنه ليس قبلة .

[ ص: 206 ] الثاني : قال اللخمي : الجماع كالبول بجامع كشف العورة ، وقيل : يجوز في الفلوات لعدم الفصلة ، وهي جزء العلة ، وقيل : إن كانا مكشوفين منع في الصحاري ، ويختلف في البيوت ، وإن كانا مستورين جاز في الموضعين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث