الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 221 ] القسم الثاني : مظنات الأسباب :

والمظنة في اللغة ، واصطلاح العلماء التي يوجد عندها الظن من باب مقتل ومضرب ، الذي هو القتل والضرب ، فجعله مكان الظن مجاز ، وهي ثمان :

المظنة الأولى : مس الذكر بباطن الكف عند مالك ، وبباطن الأصابع أيضا عند ابن القاسم كما حكاه في الكتاب يوجب الوضوء خلافا ح ؛ لما في الموطأ عنه عليه السلام أنه قال : ( إذا مس أحدكم ذكره ، فليتوضأ ) .

وقال أشهب : باطن الأصابع لا يوجب وضوءا ، ووجه تخصيص باطن الكف ، والأصابع ; لأن العادة أن اللمس يكون بهما ، ولأن فيهما من اللطف والحرارة المحركين للمذي ما ليس في غيرهما ، ولأن الأصابع أصل اليد بدليل تكميل العقل فيهما ، ووجه قول أشهب أن الأصابع أقل حرارة ، ولطفا من باطن الكف ، فلا تلحق به .

ولا يشترط اللذة عند المغاربة ، وبعض البغداديين ، وتشترط عند العراقيين قياسا على لمس النساء ، ولحديث طلق قال : قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رجل كأنه بدوي ، فقال : يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ ، فقال : ( هل هو إلا بضعة منك ) رواه أبو داود ، فقال العراقيون : يجمع بين الأحاديث بوجود اللذة ، وعدمها ، وعند جميع المغاربة بتعيين الكف ، والأصابع للوجوب ، وقالوا طلق من المرجئة فيسقط حديثه ، فلا حاجة إلى الجمع ، وقال مالك في العتبية : لا يجب من مسه وضوء كما قاله أبو حنيفة ، وأورد الحنفية على حديث بسرة عشرة أسئلة :

أحدها : أن راويه عنها مروان بن الحكم ، وهو كان يحدث في زمانه مناكير ، ولذلك لم يقبل طلحة منه الرواية ، وقال : لا أعرفه .

وثانيها : أنه أرسل رجلا من الشرط لينقل له ما أنكره عليه طلحة ، والرجل مجهول .

[ ص: 222 ] وثالثها : أن ربيعة شيخ مالك - رحمه الله - قال : لو شهدت بسرة في بقلة ما قبلتها .

ورابعها : رواية ابن وهب عن مالك - رحمه الله - أن الوضوء من مس الذكر سنة ، فكيف يصح عنده هذا الحديث ، ثم يستجيز هذا القول .

وخامسها : قول ابن معين : لم يصح في مس الذكر حديث .

وسادسها : أن الرجل أولى بنقله من بسرة .

وسابعها : أنه مما تعم به البلوى فينبغي أن ينقل مستفيضا ، ولما لم يكن كذلك دل على ضعفه .

وثامنها : إنكار أكابر الصحابة رضي الله عنهم لحكمه كعلي ، وابن مسعود فيقول علي : ما أبالي مسسته ، أو مسست طرف أنفي ، ويقول ابن مسعود : إن كان شيء منك نجسا ، فاقطعه .

وتاسعها : سلمنا صحته لكن نحمله على غسل اليد لأنهم كانوا يستجمرون ، ثم يعرقون ، ثم يؤمر من مس موضع الحدث بالوضوء الذي هو النظافة .

وعاشرها : أنه معارض بحديث طلق ، والقياس على سائر الأعضاء .

والجواب عن الأول : أن مروان كان عدلا ، ولذلك كانت الصحابة تأتم به ، وتغشى طعامه ، وما فعل شيئا إلا عن اجتهاد ، وإنكار عروة لعدم اطلاعه .

وعن الثاني : أن الرجل معلوم عند عروة ، وإلا لما حسنت إقامة الحجة عليه به ، وقد روي أن عروة سمعه بعد ذلك منها .

وعن الثالث : أن عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدل على عدم قبول روايتها ، وإلا لما قبلت رواية عائشة رضي الله عنها .

وعن الرابع : أنه لم يطعن في الصحة ، وإنما تردد في دلالة اللفظ هل هي للوجوب ، أو الندب .

[ ص: 223 ] وعن الخامس : أنه إذا لم يصح عنده ، فقد صح عند غيره .

وعن السادس والسابع : أن الخبر رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء .

وعن الثامن : أن الحديث لم يثبت عندهم ، وثبت عند غيرهم ، ولا يجب في الصحابي أن يطلع على سائر الأحاديث .

وعن التاسع : أن لفظ الشارع إذا ورد حمل على عرفه حتى يرد خلافه .

وعن العاشر : أن حديث طلق لا يصح ، والقياس قبالة النص فاسد قال صاحب الاستذكار : الذي تقرر عند المغاربة أن من مس ذكره أمر بالوضوء ما لم يصل ، فإن صلى أمر بالإعادة في الوقت ، وكذلك قاله ابن القاسم ، وابن نافع ، وأشهب ، وقال سحنون والعتبي : لا يعيد مطلقا ، قال اللخمي : الإعادة مطلقا رواية المدنيين عن مالك ، وقال ابن حبيب : العامد يعيد مطلقا ، والناسي في الوقت ، وقال سحنون أيضا : يعيد في اليومين ، والثلاث .

واختلفوا في مسه ناسيا ، أو على ثوب خفيف ، أو بذراعه ، أو بظاهر كفه ، أو قصد إلى مسه بشيء من أعضائه سوى يده .

وتحصيل المذهب عند أكثر المغاربة : أن مسه بباطن الكف ، والأصابع دون حائل ينقض الوضوء ، وغير ذلك لا ينقضه .

في الجواهر : قال القاضي أبو الحسن : العمل من الروايات على وجوب الوضوء منه من فوق ثوب ، أو من تحته ، وروي عن مالك - رحمه الله - الوجوب من فوق الغلالة الخفيفة .

[ ص: 224 ] فروع ثمانية :

الأول : من الطراز : إذا مسه بين أصبعيه ، أو بحرف كفه ، أو بأصبع زائدة انتقض على ظاهر قول ابن القاسم ، وفي الأصبع الزائدة خلاف ، والقياس على سائر الأحداث يقتضي أن القصد لا يشترط ، وكذلك عموم الحديث .

الثاني : في الجواهر : لو مس ذكره بعد قطعه لم ينتقض وضوءه لأنه صار ليس بذكر له ، والحديث إنما ورد في ذكره ، ولذهاب اللذة منه ، ولأن المرأة لو استدخلته لم يجب على صاحبه غسل .

الثالث : قال : لا ينتقض وضوء الختان بذكر المختون ، ولا بذكر الغير خلافا ش لأنه ليس ذكرا له .

الرابع : قال : لا وضوء على المرأة من مس فرجها ؛ قاله في الكتاب ; لأن فرجها ليس بذكر فيتناوله الحديث ، وروي عنه أن عليها الوضوء لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( من أفضى بيده إلى فرجه ، فليتوضأ ) .

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال عليه السلام : ( ويل للذين يمسون فروجهم ، ثم يصلون ، ولا يتوضئون ، فقلت بأبي أنت ، وأمي يا رسول الله هذا للرجال ، فما بال النساء ، فقال عليه السلام : إذا مست إحداكن فرجها ، فلتتوضأ ) وروي عنه التفرقة بين أن تلطف ، وبين ألا تلطف ؛ فيجب الوضوء من الأول لوجود اللذة ، وسأل ابن أبي أويس مالكا عن الإلطاف ، فقال : أن تدخل يدها بين شفريها .

واختلف المتأخرون في بقاء هذه الروايات على ظاهرها ، أو جعل التفصيل تفسيرا للإطلاقين ، أو جعل المذهب على قولين : النقض مطلقا ، أو التفصيل ثلاث طرق .

الخامس : قال : لا ينتقض الوضوء بمس الدبر ، وانفرد حمديس بإيجاب مس [ ص: 225 ] حلقة الدبر للوضوء تخريجا على إيجاب مس المرأة لفرجها ، وعلى القول الآخر لا يوجبه .

السادس : قال : مس الخنثى المشكل فرجه ؛ قال الإمام أبو عبد الله : يتخرج على القولين فيمن أيقن الطهارة ، وشك في الحدث على مذهب المغاربة ، وعلى مذهب البغداديين في مراعاة اللذة ، ففي أي فرج اعتاد وجودها أوجب الوضوء .

السابع : لا ينتقض وضوء من مس ذكر غيره ، وقال الأيلي البصري من أصحابنا : ينتقض .

الثامن : قال عبد الحق في تهذيبه : قال أشهب : من صلى خلف من لا يرى الوضوء من الملامسة أعاد أبدا ، ومن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد ; لأن الوضوء من الملامسة ثابت بالقرآن المتواتر ، ومن مس الذكر بأخبار الآحاد ، وقال سحنون : يعيدان جميعا في الوقت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث