الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المظنة الثالثة : النوم : وليس حدثا في نفسه ، ونقل صاحب الطراز عن ابن القاسم قولا أنه حدث ، وإذا فرعنا على المذهب ، فهو يوجب الوضوء لكونه مظنة [ ص: 230 ] الريح لقوله عليه السلام : ( العينان وكاء السه ، فإذا نامت العينان انفتح الوكاء ) على أن أبا عمر قال في التمهيد : هذا حديث ضعيف لا يحتج به ، إلا أن معناه معلوم بالعادة ، وجرت عادة الفقهاء بذكره ، فذكرته .

والوكاء الخيط الذي يربط به الشيء ، والسه أصله العجز ، ويقولون رجل سته ، وامرأة ستهاء إذا كان الرجل ، أو المرأة كبيرة العجز ، ثم يستعمل مجازا في حلقة الدبر ، وهو المراد ها هنا ، وأصل اللفظة سته مثل قلم ، فحذفت التاء التي هي عين الكلمة ، فبقي سه ، ويروى بحذف لام الكلمة التي هي الهاء ، وإثبات العين التي هي التاء .

فشبه عليه السلام الإنسان بزق مفتوح لا يمنع خروج الريح منه إلا الحواس ، وذهابها بمنزلة ذهاب الخيط الذي يشد به الزق .

وقد اختلف الأصحاب في النوم الذي هو مظنة ، فضبطه اللخمي ، وغيره بالزمان ، وكيفية النوم ، فقال : طويل ثقيل ناقض بلا خلاف في المذهب ، وقصير خفيف غير ناقض على المعروف منه ، وخفيف طويل يستحب منه الوضوء ، وثقيل قصير فيه قولان .

وضبطه أبو محمد عبد الحميد بهيئة النائم ، فإن كان يتهيأ منه الخروج مع الطول نقض ؛ كالراقد ، وعكسه كالقائم والمحتبي لا ينقض ، وإن كان الطول فقط كالحالتين مستندا ، وعكسه كالراكع ، ففيهما قولان ، وهذا الضبط أشبه بروايات الكتاب ، ومقصود الجميع مظنة الخروج ، فإن كان بحيث لو خرج لم يشعر به انتقض ، وعكسه لا ينتقض ، وإن استوى الأمران ، فهو كالشاك في انتقاض وضوئه . وهذا الكلام على النوم من حيث الجملة ، فلنتكلم عليه من حيث التفصيل ، فنقول :

للنائم إحدى عشرة حالة :

الأولى : الساجد قال في المدونة : يجب منه الوضوء إذا استثقل خلافا [ ص: 231 ] ح لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية قال زيد بن أسلم : معناه قمتم من المضاجع ، فجعل النوم سببا ، واختار هذا التفسير مالك - رحمه الله - وجماعة من أصحابنا ; لأن الله تعالى لم يذكر النوم في نواقض الوضوء ، فوجب حمل هذا عليه .

وقال غيره : إذا أردتم القيام للصلاة محدثين على أي حالة كنتم ، ؛ لما في أبي داود ؛ لما قيل له عليه السلام : صليت ، وقد نمت ؟ فقال عليه السلام : ( تنام عيني ، ولا ينام قلبي ) فلو كان نوم القلب لا يؤثر في الوضوء لم يكن لهذا الكلام معنى . الثانية : الراكع إذا استثقل نوما وجب عليه الوضوء خلافا ح ؛ لما سبق .

الثالثة : المضطجع . قال صاحب الطراز : راعى مالك في المجموعة الاستثقال في الاضطجاع ، ولم يره القاضي في التلقين ها هنا ، ولا في السجود . الرابعة ، والخامسة : الراكب ، والجالس قال في الكتاب : إذا استثقل ، وطال أوجب الوضوء وإلا فلا ، قال : وبين العشائين طويل خلافا ش ، و ح . قال صاحب الطراز : قال ابن حبيب : لا وضوء على الراكب ، والراكع ، والجالس إن كان غير مستند ، ومراعاة الشافعية انضمام المخرج من الجالس في عدم الإيجاب ليس بشيء لأنه إذا ضعفت القوة الماسكة ، وانصب الريح إلى المخرج لم يمنعه الانضمام ، فإن الريح ألطف من الماء ، والماء لا ينضبط بسبب الضم ، فالريح أولى بذلك . السادسة : المحتبي ، قال في الكتاب : لا وضوء عليه لأنه لا يثبت لو استثقل بخلاف الجالس . قال صاحب الطراز : فرق مالك - رحمه الله - في العتبية بين من نام قاعدا ، وطال في انتظار الصلاة ، وبين من لا ينتظرها ، وقيل له وبما رأى الرؤيا قال : ذلك أحلام ; لأن منتظر الصلاة لا يمكن نفسه من كمال النوم بخلاف غيره ، وهو ضرورة تحصل للناس في انتظار الصلاة ، والحلم قد يكون [ ص: 232 ] حديث النفس ، ولأنه إنما يحصل مع خفة النوم ، ولذلك تكثر الرؤيا آخر الليل بعد أخذ النهمة من النوم .

فرع : قال صاحب الطراز : إذا سقط المحتبي قال ابن الصباغ من أصحاب الشافعي : إذا زالت أليتاه ، أو إحداهما قبل انتباهه انتقضت طهارته ، وإن انتبه لزوالهما لم تنتقض قال : وهذا حسن .

قال صاحب التنبيهات : المحتبي هو الجالس قائم الركبتين جامعا يديه على ركبتيه بالتشبيك ، والمسك .

السابعة : المستند ، قال القاضي في الإشراف : هو عند مالك - رحمه الله - كالجالس ; لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون الصلاة ، ولا يعرون عن النوم ، والاستناد قال ابن حبيب : هو كالمضطجع لأنه باستناده خرج عن هيئة الجلوس معتمد الأعضاء منحلها . قال صاحب الطراز : وهذا أحسن .

الثامنة : القائم .

التاسعة : الماشي .

العاشرة : المستند القائم : قال صاحب القبس : ما استثقل نوما في هذه الحالات ، فعليه الوضوء ، وإلا فلا .

الحادية عشرة : إذا استثفر ، وارتبط ، ثم نام قال الطرطوشي : الذي يأتي على المذهب أن لا وضوء عليه .

فائدة : الفرق بين السنة ، والغفوة ، والنوم أن الأبخرة متصاعدة على الدوام في الجسد إلى الدماغ ، فمتى صادفت منه فتورا ، أو إعياء استولت عليه ، وهو معدن الحس ، والحركة فيحصل فيه فتور ، وهو السنة ، فإن عم الاستيلاء حاسة البصر ، فهو غفوة ، وإن عم جميع الجسد ، فهو نوم مستثقل .

والأولان لا وضوء فيهما ؛ لما في مسلم كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينامون ، ثم يصلون ، ولا يتوضئون ، ومنه أيضا اعتم النبي عليه السلام ذات ليلة بالعشاء حتى [ ص: 233 ] رقد الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا ، واستيقظوا ، فقام عمر رضي الله عنه ، وقال : الصلاة ، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة ، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : من نام على هيئة من هيئات الصلاة اختيارا مثل الراكع ، والقائم ، والساجد ، والجالس فلا وضوء عليه ، وإنما الوضوء على المضطجع ، والمائل ، والمستند محتجا بما يروى في الترمذي ، وأبي داود عنه عليه السلام أنه نام ، وهو ساجد حتى غط ، ونفخ ، ثم قام يصلي قال ابن عباس : فقلت يا رسول الله : إنك قد نمت ، فقال : إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعا ، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله . وضعفه أبو داود ، وأنكره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث