الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 259 ] الفرض الخامس : مسح جميع الرأس :

في الكتاب : يمسح الرجل ، والمرأة على الرأس كله ، ودلاليهما ، ولا يحل المعقوص خلافا ش في اقتصاره على أقل ما يسمى مسحا ، ولأبي ح في اقتصاره على الناصية .

وحده من منبت الشعر المعتاد إلى القفا ، وقال ابن شعبان : إلى منتهى منبت الشعر محتجا بما في أبي داود أنه عليه السلام مسح رأسه حتى أخرج يديه من تحت أذنيه . وهو ضعيف لا حجة فيه ، والأحاديث الثابتة أنه عليه السلام بلغ إلى القفا .

ومن الأذنين إلى الأذنين ، وجوز ابن مسلمة ترك الثلث ، والقاضي أبو الفرج ترك الثلثين ، وأوجب أشهب الناصية ، وعنه أيضا بعض غير محدود .

حجة المشهور الكتاب والسنة والقياس :

أما الكتاب ، فقوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) وجه التمسك به من وجوه : أحدها أن هذه الصيغة تؤكد بما يقتضي العموم ، فوجب القول بالعموم لقولهم امسح برأسك كله ، والتأكيد تقوية لما كان ثابتا في الأصل .

وثانيها : أنها صيغة يدخلها الاستثناء فيقال : امسح برأسك إلا نصفه ، أو إلا ثلثه ، والاستثناء عبارة عما لولاه لاندرج المستثنى تحت الحكم ، وما من جزء إلا يصح استثناؤه من هذه الصيغة ، فوجب اندراج جملة الأجزاء تحت وجوب المسح ، وهو المطلوب .

وثالثها : أن الله تعالى أفرده بذكره ، ولو كان المراد أقل جزء من الرأس لاكتفى بذكر الوجه لأنه لا بد معه من ملامسة جزء من الرأس .

وأما السنة : فما روي عنه عليه السلام أنه مسح بناصيته ، وعمامته ، ولو كان الاقتصار على مسح بعض الرأس جائزا لما جمع بينهما لحصول المقصود بالناصية .

[ ص: 260 ] وأما القياس فنقول : عضو شرع المسح فيه بالماء ، فوجب أن يعمه حكمه قياسا على الوجه في التيمم ، أو نقول : لو لم يجب الكل لوجب البعض ، ولو وجب البعض لوجب البعض الآخر قياسا عليه ، وهذا قياس يتعذر معه الفارق لعدم تعين المقيس عليه .

وأما قول الشافعية : إن الفعل في الآية متعد فيستغنى عن الباء ، فتكون للتبعيض صونا لكلام الله تعالى عن اللغو .

قلنا : الجواب عنه من وجوه : أحدها لا نسلم أنه مستغن عن الباء ، وتقريره أن فعل المسح يتعدى إلى مفعولين أحدهما : بنفسه ، والثاني : بالباء إجماعا كقولنا : مسحت يدي بالمنديل ، فالمنديل المزيل عن اليد ، وإذا قلنا : مسحت المنديل بيدي ، فاليد المزيلة ، والمنديل المزال عنه ، والرطوبة في الوضوء إنما هي في اليد ، فتزال عنها بالرأس فيكون معنى الآية : فامسحوا أيديكم برءوسكم ، فالمفعول الأول هو المحذوف ، وهو المزال عنه ، والرأس المفعول الثاني المزال به ، فالباء على بابها للتعدية .

الثاني : سلمنا أنها ليست للتعدية ، فلم لا يجوز أن تكون للمصاحبة كقوله : تعالى ( تنبت بالدهن ) بضم التاء يدل على أنه عدي بالهمزة ، فتتعين الباء للمصاحبة لأنه لا يجتمع على الفعل معديان ، وكقولنا : جاء زيد بمائة دينار ، والباء في هذا القول للمصاحبة دون التعدية لأنها لو كانت للتعدية لحسن أن تقوم الهمزة مقامها فيقال : أجاء زيد مائة دينار ، وليس كذلك .

الثالث : سلمنا أنها ليست للمصاحبة ، فلم لا يجوز أن تكون زائدة للتأكيد ، فإن كل حرف يزاد في كلام العرب ، فهو للتأكيد قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى ، والتأكيد أرجح مما ذكرتموه من التبعيض ، فإنه مجمع عليه ، والتبعيض منكر عند أئمة العربية حتى إن ابن جني شنع عليه ، وقال : لا يعرف العرب الباء للتبعيض [ ص: 261 ] فضلا عن كونه مجازا مرجوحا ، وحمل كتاب الله تبارك وتعالى على المجمع عليه أولى من المختلف فيه ، فضلا عن المنكر .

وأما قولهم : تعميم الوجه في التيمم إنما ثبت بالسنة ، وكان مقتضى الباء فيه التبعيض ، فنقول على ما ذكرتموه تكون السنة معارضة للكتاب ، وعلى ما ذكرناه لا تكون معارضة بل مبينة مؤكدة ، وعدم التعارض أولى .

وأما وجه القول بالثلثين ، فلأنه عضو مختلف فيه ، والثلث في حيز القلة ، بدليل إباحته للمريض ، والمرأة المتزوجة مع الحجر عليهما .

ووجه الربع : مسحه عليه السلام بالناصية ، والعمامة ، والناصية نحو الربع .

ووجه الاقتصار على أقل ما يسمى مسحا أن الباء للتبعيض ، وليس البعض أولى من البعض فيقتصر على أقل ما يسمى مسحا ، وقد عرفت ما على هذا الوجه .

فروع أحد عشر :

الأول : حكي في تعاليق المذهب أن رجلا جاء لسحنون ، فقال : توضأت للصبح وصليت به الصبح ، والظهر ، والعصر ، والمغرب ، ثم أحدثت ، وتوضأت ، فصليت العشاء ، ثم تذكرت أني نسيت مسح رأسي من أحد الوضوءين لا أدري أيهما هو ، فقال سحنون : امسح برأسك ، وأعد الصلوات الخمس ، فذهب ، فأعاد الصلوات الخمس ، ونسي مسح رأسه ، فجاء إليه ، فقال : أعدت الصلوات ، ونسيت مسح رأسي ، فقال له : امسح برأسك ، وأعد العشاء وحدها ، ففرق سحنون بين الجوابين مع أن السائل نسي في الحالتين .

ووجه الفقه في المسألة : أنه أمره أولا بإعادة الصلوات كلها لتطرق الشك للجميع ، والذمة معمرة بالصلوات حتى يتحقق المبرئ ، فلما أعادها بوضوء العشاء صارت الصلوات الأربع كل واحدة منها قد صليت بوضوءين : الوضوء الأول [ ص: 262 ] والثاني ، وأما العشاء ، فصليت بوضوئها أولا ، وأعيدت بوضوئها أيضا ، فلم يوجد فيها إلا وضوء واحد ، فجاز أن يكون هو الذي نسي منه مسح الرأس ، فلم تتحقق براءة الذمة منها ، فتجب إعادتها ، وأحد الوضوءين في الصلوات الأول صحيح جزما بأنه ما نسي المسح إلا من أحدهما .

وإذا وقعت بوضوءين : صحيح ، وفاسد صحت بالوضوء الصحيح ، فلا تعاد ، ولا فرق في هذه المسألة بين أن تكون الصلوات الأول كل واحدة بوضوء ، أو كلها بوضوء ، وهذا فرع لا يكاد تختلف العلماء فيه .

الثاني : من نسي مسح رأسه ، وذكره في الصلاة ، وفي لحيته بلل قال مالك رحمة الله عليه في الكتاب : لا يجزئه مسحه بذلك البلل ، ويعيد الصلاة بعد مسح رأسه . قال صاحب الطراز : يحتمل قوله الوجوب ، والندب ، وقال عبد الملك : يجزئه إن لم يجد ماء قريبا ، وكان في البلل فضل بين .

قال المازري : المسألة تتخرج على القولين في الماء المستعمل .

وحجة عبد الملك ما روي عنه عليه السلام أنه لم يستأنف لرأسه ماء .

الثالث : في الجلاب : لا يستحب فيه التكرار ، وهي إحدى خمس مسائل لا يستحب فيها التكرار : هذه ، والوجه ، واليدان في التيمم ، والجبائر ، والخفان ; لأن حكمة المسح التخفيف إذ لولا ذلك لشرعه الله عز وجل غسلا ، فلو كرر لخرج بتكراره عن التخفيف ، فتبطل حكمته .

الرابع : في الجواهر : يجزئ الغسل عن المسح فيه عند ابن شعبان ; لأن الغسل إنما سقط لطفا بالمكلف ، فإذا عدل إليه أجزأه كالصوم في السفر .

وقال غيره : لا يصح ; لأن الله تعالى أوجب عليه المسح ، وحقيقته مباينة للغسل ، ولم يأت به ، وكرهه آخرون لتعارض المآخذ .

الخامس : ما انسدل من الشعر من محل الفرض . قال المازري : فيه قولان كالمنسدل من اللحية نظرا إلى مبادئه فيجب ، أو محاذيه ، فلا يجب .

[ ص: 263 ] قال ابن يونس : روى ابن وهب أن عائشة ، وجويرية زوجتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفية زوج ابن عمر كن إذا توضأن أدخلن أيديهن تحت الوقاية فيمسحن جميع رءوسهن ، وقال مالك : تمسح المرأة على ما استرخى من دلاليها ، وإن كان شعرها معقوصا مسحت على ضفرها .

وكذلك الطويل الشعر من الرجال إذا ضفره ، وقال في العتبية : يمر بيديه على قفاه ، ثم يعيدهما من تحت شعره إلى مقدم رأسه .

قال ابن حبيب : إذا كان في شعرها خيط ، أو شعر لم يجز مسحها حتى تنزعه إذا لم يصل الماء إلى شعرها بشيء للعنه عليه السلام الواصلة ، والمستوصلة .

السادس : قال في الكتاب : إذا توضأ ، وحلق رأسه ليس عليه إعادة مسحه ، وكذلك قال فيمن قلم أظفاره . قال ابن القاسم : وبلغني عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال : هذا من لحن الفقه .

قال صاحب الطراز : لا يعرف في هذه المسألة مخالف إلا ابن جرير الطبري ; لأن الفرض قد سقط أولا ، فزوال الشعر لا يوجبه كما إذا غسل وجهه ، أو تيمم ، ثم قطع أنفه ، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحلقون بمنى ، ثم ينزلون لطواف الإفاضة ، ولم ينقل عن أحد منهم إعادة مسح رأسه ، ولأنه لا يعاد الغسل للجنابة ، وهي أولى ; لأن منابت الشعر لم تغسل قبل الحلق ، وهي من البشرة المأمور بغسلها ، وأما كلام عبد العزيز ، وهذا من لحن الفقه ، فكلام محتمل .

قال ابن دريد : اللحن الفطنة ، ومنه قوله عليه السلام : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ؛ أي : أفطن لها .

وأصل اللحن : أن تريد الشيء ، فتوري عنه ، واستشهد بقول الفرزدق :

[ ص: 264 ]

وحديث ألذه ، وهو مما يشتهي الناعتون يوزن وزنا .

    منطق صائب وتلحن أحيا
نا وأحلى الحديث ما كان لحنا

.

قال ابن يونس : ذكر أهل اللغة أن اللحن بإسكان الحاء الخطأ ، وبفتحها الصواب ، فمن رواها بالإسكان ، فمعناه أن القول ينقض الوضوء خطأ ، وبالتحريك معناه أن القول بعدم النقض صواب ، وقال القاضي عبد الوهاب : معناه أنه عاب قول مالك ، ووافقه القاضي عياض في التنبيهات ، وقال : لا يلتفت إلى قول من يقول إنه أراد تخطئة غيرنا .

وقال عبد الحق في النكت : يحتمل كلامه التصويب ، والتخطئة ، فلأن اللحن من أسماء الأضداد .

والفرق بين الخفين ، ومسح الرأس : أن الشعر أصل ، والخف فرع ، فإذا زال رجع إلى الأصل ، وفرق صاحب الطراز بأن ماسح الرأس مقصوده الرأس لا الشعر ، فإن كان الرأس من التراوس ، فقد صادف الواجب ، وإن كان الرأس العضو ، فهو المقصود بالمسح ، والشعر تبع بخلاف الخف ، فإنه المقصود ، وكذلك القول في الأظفار هي تبع أيضا .

قال : وقد فرع أصحابنا على القول بأن المراد باللحن الخطأ إذا قطعت بضعة منه بعد الوضوء أنه يغسل موضع القطع ، أو يمسح إن تعذر الغسل ، وهو تخريج فاسد ، فإنه لا يعرف لأحد ، فإنا نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجرحون ، ويصلون بجراحهم من غير إعادة ، وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن رجلا رمي بسهم وهو يصلي ، ونزفه الدم ، فركع ، وسجد ، ومضى في صلاته .

السابع : قال في الكتاب : الأذنان من الرأس ، ويستأنف لهما الماء ، فإن نسي حتى صلى ، فلا إعادة عليه ، ويمسحهما للمستقبل ، وكذلك إن نسي داخلهما .

قال صاحب الطراز : اختلف في معنى قوله هما في الرأس ، قيل : في وجوب المسح ، وقيل : في المسح دون الوجوب ، واعتذر بهذا عن عدم الإعادة ، والقولان للأصحاب .

[ ص: 265 ] وقال الشعبي ، والحسن بن صالح : يغسل باطنهما مع الوجه ، ويمسح ظاهرهما مع الرأس ، وقال الزهري : يغسلان مع الوجه .

حجة الأول : أن ابن عباس ، والمقداد ، والربيع رضي الله عنهم ذكروا وضوءه عليه السلام ، وكلهم مسح أذنيه ظاهرهما ، وباطنهما أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وفيهما عنه عليه السلام قال : ( الأذنان من الرأس ) إلا أنه يرويه شهر بن حوشب ، وقد تكلم فيه .

حجة الثاني : قال المازري : إن الأمة مجمعة على أن مسحهما لا يجزئه عن الرأس مع أن أكثر العلماء على أن بعض الرأس يجزئ مسحه .

حجة الثالث : قوله عليه السلام في سجوده : ( سجد وجهي للذي خلقه ، وصوره ، وشق سمعه ، وبصره ) فأضافهما للوجه ، وهذا الحديث لا حجة فيه ; لأن الوجه يراد به هنا الجملة لأنه اللائق بالنسبة إلى الخضوع إلى الله تعالى ، وهذا المجاز جائز ؛ كما قال تبارك وتعالى : ( ويبقى وجه ربك ) أي ذاته وصفاته .

وهو معارض بقوله عليه السلام : فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه ، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ) فأضافهما إلى الرأس كما أضاف العينين إلى الوجه .

وأما تجديد الماء ، فقد احتج به بعض الأصحاب على أن مسحهما سنة ، وإلا لمسحا مع الرأس بمائه كالصدغ ، وغيره من أجزاء الرأس ، وهذا قول الشافعي : إنهما سنة ، ويجدد الماء لهما .

وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا يجدد ، محتجا بأن كل من وصف وضوء رسول الله لم ينقل التجديد بل الذي في الصحيحين لم يذكر الأذن أصلا لاعتقاد أنهما من الرأس .

[ ص: 266 ] حجتنا أنهما مباينان للرأس حقيقة ، وحكما ؛ أما الحقيقة فبالمشاهدة ، فإنهما غضاريف منفردة عن الرأس بحاجز خال من الشعر ، وأما حكمهما ، فلا خلاف أن مسحهما بعد مسح الرأس ، والمحرم لا يؤمر بحلق شعرهما ، وجنايتهما منفردة بأرشها ، وإذا تحقق التباين وجب تجديد الماء لهما .

وفي الموطأ : كان ابن عمر رضي الله عنهما يجدد لهما الماء ، وهو شديد الاتباع جدا ، ولم ينكره أحد من الصحابة رضي الله عنهم .

فروع مرتبة :

الأول : قال صاحب الطراز : إذا قلنا مسحهما سنة ، فلا يمسحهما بماء الرأس ، قال مالك : فإن فعل أعاد ، وقال محمد بن مسلمة : إن شاء جدد ، وإن شاء لم يجدد ، ويمسح بماء الرأس ، وإن قلنا إن مسحهما واجب ، فتركهما سهوا وصلى ، فلا يختلف في صحة صلاته ، والذي صرف المتأخرين عن الإعادة إجماع المتقدمين على الصحة .

واختلف في التعليل ، فقيل : هو استحسان ، وليس بقياس ، وقال الأبهري : السبب اجتماع خلافين في كونهما من الرأس ، ووجوب مسحهما .

فإن تركهما عمدا اختلف القائلون بالوجوب ، فتعليل الأبهري يقتضي صحة الصلاة ، وقال بعض أصحابنا : يعيد الوضوء ، وحمل قول مالك على السهو استحسان .

الثاني : في كيفية مسحهما . قال صاحب الطراز : قال عيسى بن دينار : يقبض أصابع يده إلا السبابتين يبلهما ، ويمسح بهما أذنيه من داخل وخارج ; لأن ابن عمر كان يفعل ذلك ، رواه مالك في الموطأ ، والأمكن أن يبل إبهاميه ، وسبابتيه فيمسح بإبهاميه ظهورهما ، وبسبابتيه بطونهما ، قال مالك في المختصر : ويدخل أصبعيه : [ ص: 267 ] لأنه عليه السلام كان يدخل أصبعيه في صماخيه لأنه عليه السلام كان يدخل أصبعيه في جحري أذنيه . خرجه أبو داود ، والترمذي .

قال ابن حبيب : وليس عليه أن يتتبع غضونهما اعتبارا بغضون الوجه في التيمم ، والخفين .

الثالث : قال صاحب الطراز : إذا قلنا إن مسحهما سنة ، وهو الصحيح فيفارق الغسل ، والوضوء على ظاهر الكتاب ، فإنه قال في تاركهما في الوضوء : لا إعادة عليه ، وتارك داخلهما في الغسل : لا إعادة عليه فيكون ظاهرهما ، وباطنهما مستويين في الوضوء ، وداخلهما في الجنابة مسنون فقط ، وعلى القول الآخر يكون ظاهرهما في الوضوء واجبا ، وداخلهما سنة فيستوي المسنون منهما في الطهارتين . الثامن : قال في الكتاب : لا يمسح على الحناء . قال صاحب الطراز : إن كان للضرورة جاز من حر ، وشبهه ، أو يكون في باطن الشعر لتغييره وقتل دوابه ، فالأول لا يمنع كالقرطاس على الصدغ ، وكما مسح عليه السلام على ناصيته ، وعمامته ، وإن كانت لغير ضرورة ، - وهي مسألة الكتاب - منع المسح خلافا لابن حنبل ، وجماعة معه ، فإن الماسح عليه ليس ماسحا .

فرعان مرتبان :

الأول : قال صاحب الطراز : إن كانت الحناء ليس على ظاهر الشعر منها شيء لا يمنع ; لأن مسح الباطن لا يجب ، وقد أجاز الشرع التلبيد في الحج ، وفي أبي داود أنه عليه السلام لبد رأسه لئلا يدخله الغبار ، والشعث ، والتلبيد يكون بالصمغ ، وغيره .

الثاني : قال : إذا خرج الحناء من بعض تعاريج الشعر يخرج على الخلاف في قدر الواجب من الرأس .

التاسع : قال في الكتاب : لا تمسح المرأة على خمارها ، ولا غيره . قال صاحب الطراز : يريد إذا أمكنها المسح على رأسها ، وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة .

[ ص: 268 ] وقال ابن حنبل : يجوز المسح على الخمار ، والعمامة كالخفين ، واشترط اللبس على طهارة ؛ لما في مسلم أنه عليه السلام مسح على الخفين ، والعمامة ، وفي أبي داود مسح على عمامته ، ومفرقه .

ومستندنا قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) قال سيبويه : بالباء للتأكيد ، معناه رءوسكم أنفسها ، وقوله عليه السلام بعد الوضوء : لا يقبل الله الصلاة إلا به ، وكان قد مسح رأسه فيه ، ولأنه لو مسح على غيره لكان ذلك الغير شرطا ، وهو خلاف الإجماع .

ولنا أيضا : القياس على الوجه ، واليدين .

العاشر : قال في الكتاب : تمسح المرأة على شعرها المعقوص ، والضفائر من غير نقض . قال صاحب الطراز : فلو رفعت الضفائر من أجناب الرأس ، وعقصت الشعر في وسط الرأس ، فالظاهر عدم الإجزاء لأنه حائل كالعمامة .

الحادي عشر : مسح الرقبة ، والعنق لا يستحب خلافا ش لعدم ذكره في وضوئه عليه السلام .

إيضاح قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) إن راعينا الاشتقاق من التراوس ، وهو كل ما علا فيتناول اللفظ الشعر لعلوه ، والبشرة عند عدمه لعلوها من غير توسع ولا رخصة ، وإن قلنا : إن الرأس العضو فيكون ثم مضاف محذوف تقديره امسحوا شعر رءوسكم ، فعلى هذا يكون المسح على البشرة لم يتناوله النص فيكون المسح عليها عند عدم الشعر بالإجماع لا بالنص ، وعلى كل تقدير يكون الشعر أصلا في الرأس ، فرعا في اللحية ، والأصل الوجه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث