الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : " وإن ابتدأت مستحاضة أو نسيت أيام حيضها تركت الصلاة يوما وليلة واستقبلنا بها الحيض من أول هلال يأتي عليها بعد وقوع الطلاق ، فإذا أهل الهلال الرابع انقضت عدتها " .

قال الماوردي : وهذه المسألة تشتمل على القسم الرابع من أقسام الحيض التي لا تمييز له ولا عادة وهي امرأتان : مبتدأة ، وناسية . فأما المبتدأة إذا طبق عليها الدم ولم تميز ففيما ترد إليه من قدر الحيض قولان : أحدهما : يوم وليلة ؛ لأنه اليقين . والثاني : ستة أيام أو سبعة أيام ؛ لأنه أغلب ، فأما العدة فلا يخلو حال طلاقها من أن يكون في الدم أو قبله ، وإن كان في الدم فعلى ضربين : أحدهما : أن يكون في أول الشهر فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر كاملة ؛ لأن الأغلب من عادة النساء أن يحضن في كل شهر حيضة ، فيكون كل شهرين من شهورها يجمع [ ص: 184 ] حيضا وطهرا ، فإذا حاضت ثلاثة أشهر علم أنه قد مضى لها ثلاثة أطهار وثلاث حيض لتنقضي العدة ، وإنما كان الأغلب معتبرا لأمرين : أحدهما : أن الأغلب محصور . والثاني : أن التأكيد يتقابل فيه الأقل والأكثر فغلب فيه حكم الأغلب ، فإذا صح انقضاء عدتها باستكمال ثلاثة أشهر بعد طلاقها فقد حكى المزني هاهنا وفي جامعه الكبير : " فإذا أهل الهلال الرابع فقد انقضت عدتها " وليس ذلك على قولين كما وهم بعض أصحابنا ، وإنما المزني عد الهلال الذي طلقت فيه مع رؤيته ؛ لاتصاله بالعدة فجعل العدة منقضية إذا أهل الهلال الرابع ، والربيع لم يعد الهلال الأول لوقوع الطلاق بعده فصار الهلال الذي انقضت به العدة ثالثا .

والضرب الثاني : أن يطلق بعد أن مضى بعض الشهر ، وبقي بعضه ، فقد اختلف أصحابنا في الباقي من شهرها بعد الطلاق هل يعتد به قرءا أم لا ؟ على وجهين : أحدهما : لا يعتد بباقيه لجواز أن يكون حيضا حتى يستكمل بعده بالشهر ، فتصير عدتها منقضية بالهلال الرابع ، وحملوا نقل المزني على هذا ونسبوا إليه قول هذا الوجه . والوجه الثاني : - واختاره أبو علي بن أبي هريرة - أنها تعتد ببقية الشهر قرءا ، لأن اعتبار الأغلب في الشهر أنه يجمع حيضا وطهرا يقتضي تغليب الحيض في أوله والطهر في آخره ، فيصير الطلاق الأخير طلاقا في الطهر فاعتدت به قرءا وتصير عدتها منقضية برؤية الهلال الثالث ، وحملوا نقل الربيع على هذا ونسبوا إليه هذا الوجه .

وأما إذا طلقت المبتدأة في الطهر قبل رؤية الدم ثم رأت الدم في شهرها ، ففي اعتدادها بما مضى من طهرها قرءا وجهان : أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج : يعتد به قرءا لكونه طهرا ، فإنما استكمل شهرين بعده مع اتصال الدم انقضت عدتها مع انقضائها برؤية الهلال الثالث .

والوجه الثاني : وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أنه لا يكون قرءا ؛ لأن القرء هو الطهر من الحيضتين يتقدمه أحدهما ويتعقبه الآخر ، فعلى هذا يعتد بثلاثة أشهر من بعد رؤية الدم ولا يحتسب بما بقي من الطهر ، وسواء كان الدم في أول شهر أو في تضاعيفه ، لأن أول الدم هو الحيض يقينا ، فلذلك احتسب بأول شهور الإقراء من وقت رؤيته [ ص: 185 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث