الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " وإن مات صبي لا يجامع مثله فوضعت امرأته قبل أربعة أشهر وعشر أتمت أربعة أشهر وعشرا ؛ لأن الولد ليس منه فإن مضت قبل أن تضع حلت منه ، وإن كان بقي له شيء يغيب في الفرج أو لم يبق له " .

قال الماوردي : وهذا كما قالت ، إذا مات صبي لا يولد لمثله عن زوجة حامل لم تعتد منه بوضع واعتدت بأربعة أشهر وعشر سواء انقضت قبل وضع الحمل أو بعده . وبه قال مالك وأبو يوسف ، وقال أبو حنيفة : إن مات وهي حامل اعتدت بوضع الحمل سواء وضعته قبل أربعة أشهر وعشر أو بعدها ، وإن حدث الحمل بعد موته اعتدت بأربعة أشهر سواء انقضت قبل وضع الحمل أو بعده استدلالا بقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق : 4 ] . وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أجل كل ذات حمل أن تضع حملها ، فكان عموم الكتاب والسنة يوجب انقضاء عدتها ، قال : ولأن كل من اعتدت زوجته عنه بالشهر جاز أن تعتد عنه بالحمل كالبالغ ، ولأن كل حمل وقع الاعتداد به إذا كان لاحقا بالزوج جاز أن يقع الاعتداد به ، وإن انتفى عن الزوج كولد الملاعنة . [ ص: 190 ] ودليلنا : قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة : 234 ] . فكان على عمومه ؛ ولأنه ولد لا يمكن أن يكون منه فلم يقع الاعتداد به كما لو ظهر بعد موته ، ولأنه حمل لا تنقضي به العدة لو ظهر بعد وجوبها فوجب أن لا تنقضي به العدة إذا ظهر قبل وجوبها قياسا على زوجة الحي إذا وضعته بعد طلاقه لأقل من ستة أشهر من وقت عقده ، ولأن هذه العدة موضوعة للتعبد لا لاستبراء الرحم فكانت مقصورة على ما ورد به التعبد من الشهور دون ما يقع به الاستبراء من الولادة .

فأما الجواب عن قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق : 4 ] . فمن وجهين : أحدهما : أنها في المطلقة لاتصالها بالطلاق ، وعدة الوفاة منصوص فيها على الشهور ، وإنما اعتدت بالحمل إذا كان لاحقا بالسنة في حديث سبيعة الأسلمية . والثاني : أنها محمولة على حمل يمكن أن يكون منه لإجماعنا أنه لو ظهر بها بعد موته لم تعتد به . فإن قيل : فعدة المتوفى عنها بالشهور في سورة البقرة ، وهي متقدمة وعدتها بالحمل في سورة الطلاق ، وهي متأخرة والمتأخرة ناسخة للمتقدمة ، وبهذا احتج ابن مسعود على علي وابن عباس حين قالا : إن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا اعتدت بأقصى الأجلين . وقال ابن مسعود : بل بوضع الحمل وإن كان أقصر ، واحتج عليهم بآية الحمل لتأخرها ، وقال : من شاء باهلته أن السورة الصغرى نزلت بعد الطولى يعني نزلت سورة الطلاق بعد سورة البقرة ، فعن ذلك جوابان : أحدهما : أن عليا وابن عباس قد خالفا فلم يكن حجة . والثاني : أنه ليس فيها نسخ فيقضى بالمتأخر على المتقدم ، وإنما تخص إحداهما بالأخرى والتخصيص قد يجوز أن يكون بمتقدم ومتأخر ، وقد أجمعنا أن آية الحمل مخصوص بالشهور إذا كان ظاهر العقد موت الصبي فكذلك إذا ظهر قبل موته ؛ لأنه في الحالين غير لاحق به . وأما الجواب عن الخبر فكالجواب عن الآية . وأما الجواب عن قياسهم على البالغ فالمعنى فيه إمكان لحوقه به فلذلك اعتدت بوضعه ، وحمل الصبي لا يلحق به ؛ فلذلك لم تعتد بوضعه . وأما الجواب عن قياسهم على ولد الملاعنة فهو جواز كونه منه ، ويلحق به لو [ ص: 391 ] اعترف به ، وليس كذلك الحمل من الصبي لعلمنا قطعا أنه ليس منه ولا يلحقه لو اعترف به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث