الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والضرب الثاني : من الثياب ما غير بياضها بالأصباغ الملونة حتى تصير زينة فهذا على ضربين : أحدهما : أن يمزج لونه بالنقوش كالوشي والسقلاطون أو بالتخطيط كالعتابي فهو إدخال زينة محضة على الثوب وتستوي جميع الألوان في حظره على الحاد من سواد وغير سواد سواء كان نقشه نسجا أو تركيبا . والضرب الثاني : أن يصبغ جميعه لونا واحدا فألوان الأصابغ تنقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها : ما كان زينة محضة وهو الأحمر صافيه ومشبعه ، والأصفر صافيه ومشبعه فلبسه محظور على المعتدة في الإحداد ؛ لأنه زينة ، وليس بمحظور على المحرمة ؛ لأنه لا يزيل الشعث . روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر ولا الممشوق ، ولا الحلي . والقسم الثاني : من الصبغ ما لم يكن زينة وكان شعارا في الإحداد ولإخفاء الوسخ ، وهو السواد صافيه ومشبعه فلا يمنع الحاد لبسه : لأنه إن لم يزدها قبحا لم يكسبها جمالا وهو لبس الإحداد وشعاره حتى اختلف أصحابنا في وجوب لبسه في الإحداد على وجهين : أحدهما : يجب لاختصاصه بشعار الحزن والمصائب . والثاني : يستحب ولا يجب لاختصاص الوجوب بما يجتنبه دون ما يستعمله ، وهذان الوجهان من اختلاف التأويل في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس حين أتاها نعي زوجها جعفر بن أبي طالب تسلبي فأحد تأويليه : أنه أراد به لبس السواد ، فعلى هذا يكون لبسه واجبا في الإحداد لأمره . والثاني : أنه أراد به نزع الحلي ، فعلى هذا لا يكون لبسه واجبا : لأنه لم يتوجه إليه أمر ، ويكون نزع الحلي واجبا لما توجه إليه من النهي . والقسم الثالث : من الألوان ما يختلف حال مشبعه وصافيه ، وهو الخضرة والزرقة فإن كانا صافيين مشرقين فهما زينة كالحمرة والصفرة ، فتمنع الحاد من لبسها لاختصاصها بالزينة ، وإن كانا مشبعين بين بين ، كمشبع الحلي والأخضر فهما كالسواد [ ص: 282 ] يدخلان على الثوب لإخفاء الوسخ فلا تمنع الحاد من لبسها ، ويفارقان السواد في وجوب لبسه على أحد الوجهين ولا فرق في ألوان الزينة المحظورة عليها من صبغ الغزل بها قبل نسجه ، وبين صبغ الثوب بها بعد نسجه ؛ لأنهما في الحالين زينة ، ووهم بعض أصحابنا ففرق بين ما صبغ قبل النسج وبعده فمنع من المصبوغ بعد نسج ، وأباح المصبوغ قبل نسجه وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي ، ولم يذكره في شرحه ، وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس المعصفر الممشوق . والثاني : أن المصبوغ قبل النساجة أحسن ، وهو بذوي النباهة أخص ، فكان بالحظر أحق .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية