الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والرضاع اسم جامع يقع على المصة وأكثر إلى كمال الحولين ، وعلى كل رضاع بعد الحولين فوجب طلب الدلالة في ذلك ، وقالت عائشة رضي الله عنها : كان فيما أنزل الله تعالى في القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن فكان لا يدخل عليها إلا من استكمل خمس رضعات ، وعن ابن الزبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم المصة ولا المصتان ، ولا الرضعة ولا الرضعتان ( قال المزني ) رحمه الله : قلت للشافعي : أفسمع ابن الزبير من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم وحفظ عنه وكان يوم سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين وعن عروة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما خمس رضعات فتحرم بهن ( قال ) فدل ما وصفت أن الذي يحرم من الرضاع خمس رضعات كما جاء القرآن بقطع السارق فدل صلى الله عليه وسلم أنه أراد بعض السارقين دون بعض [ ص: 361 ] وكذلك أبان أن المراد بمائة جلدة بعض الزناة دون بعض لا من لزمه اسم سرقة وزنا " . قال الماوردي : اختلف الفقهاء في قدر ما ثبت به تحريم الرضاع على ثلاثة مذاهب : أحدها : وهو مذهب الشافعي أنه لا يثبت تحريم الرضاع إلا بخمس رضعات متفرقات ولا يثبت بما دونهما . وبه قال من الصحابة ابن الزبير ، وعائشة . ومن التابعين سعيد بن المسيب ، وطاوس . ومن الفقهاء : أحمد وإسحاق . وقال داود من أهل الظاهر : إنه يثبت تحريمه بثلاث رضعات . وبه قال من الصحابة : زيد بن ثابت . ومن الفقهاء أبو ثور . وقال أبو حنيفة : إنه يثبت تحريمه برضعة واحدة . وبه قال من الصحابة : علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم . ومن الفقهاء : مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث بن سعد استدلالا بقول الله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [ النساء : 23 ] فحرم أما أرضعت ، والتي أرضعته مرة واحدة يقع هذا الاسم عليها ، فوجب أن تحرم ، وبهذا احتج ابن عمر على ابن الزبير حين قال : لا تحرم إلا بخمس رضعات ، فقال : كتاب الله أولى من قضاء ابن الزبير ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الرضاعة من المجاعة يعني ما سد الجوعة والرضعة الواحدة تسد الجوعة ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى حرم من الرضاعة ما حرم من النسب وتحريم النسب لا يراعى فيه العدد فكذلك تحريم الرضاع . ومن القياس أن ما وقع به التحريم المؤبد لم يعتبر فيه العدد كالوطء وعقد النكاح ؛ ولأنه حكم يتعلق بالشرب فوجب أن لا يعتبر فيه العدد كحد الخمر ؛ ولأن الواصل إلى الجوف يتعلق به الفطر تارة ، وتحريم الرضاع أخرى ، فلما لم يعتبر العدد في الفطر لم يعتبر في الرضاع . والدليل عليه ما رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 362 ] قال : لا تحرم المصة ولا المصتان ، ولا الرضعة ولا الرضعتان . وروى أيوب عن ابن أبي مليكة ، عن ابن الزبير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم المصة ولا المصتين فروى عن عائشة ما سمع منها . وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعه منه . قال المزني : قلت للشافعي : أسمع ابن الزبير من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم سمع منه وله تسع سنين ، ومعناه أنه مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابن الزبير تسع سنين ؛ لأنه أول من ولد بعد الهجرة من أولاد المهاجرين بعد سنة من قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ومن له تسع سنين قد يضبط ما يسمعه ويصح نقله وروايته . وروت أم الفضل قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال تزوجت امرأتي ، وعندي أخرى ، وقد ذكرت الأولى أنها أرضعت الحدثى رضعة أو رضعتين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة أو الإملاجتان . . وقيل : إن الإملاجة مأخوذة من ملج يملج إذا استجلب اللبن من الثدي ، وكل هذه الأخبار الثلاثة نصوص في أن الرضعة الواحدة لا تحرم . فإن قيل : إنما لم تحرم إذا لم تصل إلى الجوف بعد الحلاب أو بعد مصها من الثدي فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أن الرضعة لا تنطلق إلا على ما وصل إلى الجوف بالمص والازدراد . والثاني : أنه تخصيص يسقط فائدة الخبر ؛ لأنه فرق فيما لم يصل إلى الجوف بين رضعتين وبين مائة رضعة . والثالث : أنه يحمل على عموم الأمرين فيما وصل إلى الجوف ، وفيما لم يصل . فإن قيل : فإن كان نطقه حجة علينا فإن دليله حجة عليكم ؛ لأن نطقه أن الرضعتين لا تحرمان ، ودليله أن الثلاثة تحرم ، وأنتم لا تحرمون إلا بخمس ، فصار مذهبكم مدفوعا بدليله كما دفعتم مذهبنا بنطقه . قيل : قد صح به بطلان مذهبكم ، ولو تركنا ودليل نطقه صرنا إليه ، وإن لم يلزم المصير إليه عندكم لكن يمنع منه ما ورد فيه من نص منطوق به ، وهو ما رواه الشافعي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت : كان فيما أنزل الله تعالى في القرآن عشر رضعات معلومات تحرم ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن ، فلما أخبرت أن التحريم بالعشر منسوخ بالخمس دل على ثبوت التحريم بالخمس ؛ لأنها دونها ولو [ ص: 363 ] وقع التحريم بأقل منها بطل أن تكون الخمس ناسخا ، وصار منسوخا كالعشر وهذا خلاف النص ومسقط لتعدي الخمس . واعترضوا على الاستدلال بهذا الحديث من أربعة أوجه : أحدها : أن قالوا : فيه إثبات لذلك من القرآن وهو خطأ من وجهين : أحدهما : أنكم أثبتم القرآن بخبر الواحد ، والقرآن لا يثبت إلا بأخبار التواتر والاستفاضة . والثاني : أنه لو كان من القرآن لكان مثبتا في المصحف متلوا في المحاريب ، وذلك غير جائز فلم يجز أن يكون من القرآن . والجواب عن هذين من ثلاثة أوجه : أحدها : أنا أثبتناه من القرآن حكما لا تلاوة ورسما ، والأحكام تثبت بأخبار الآحاد سواء أضيفت إلى السنة ، أو إلى القرآن كما أثبتوا بقراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " حكم التتابع ، وإن لم يكتبوا تلاوته ، فإن استفاض نقله ثبت بالاستفاضة تلاوته وحكمه . ومثاله : ما نقول في السرقة إذا شهد بها شاهدان ثبت المال والقطع ، وإن شهد شاهد وامرأتان ثبت المال ، ولم يثبت القطع ؛ لأن بينة القطع مفقودة ، وبينة المال موجودة كذلك خبر الاستفاضة بينة في إثبات التلاوة ، والحكم وخبر الواحد بينة في إثبات الحكم دون التلاوة . والجواب الثاني : أن هذا منسوخ التلاوة ثابت الحكم ، فكان وروده بالاستفاضة والآحاد سواء في إثبات حكمه ، وسقوط تلاوته كالذي روي عن عمر أنه قال : كان فيما أنزل الله " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله " ولولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لكتبتها في حاشية المصحف ، ولو كانت من المتلو لكتبتها مع المرسوم المتلو ، وإنما أراد بكتبتها في الحاشية ، لئلا ينساها الناس ، ثم لم يفعل لئلا تصير متلوة ؛ لأن المنسوخ ينقسم ثلاثة أقسام : قسم نسخت تلاوته وحكمه كالذي روي أن رجلا قام في الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها ، ثم سأل آخر عليها فلم يقدر عليها فأتى جميعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك ، فقال : إنها رفعت الليلة من صدور الرجال . والقسم الثاني : ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته كالوصية للوالدين والأقربين والاعتداد بالحول . [ ص: 364 ] والقسم الثالث : ما نسخت تلاوته ، وبقي حكمه كالمروي عن عمر في الرجم ، وعن عائشة في الرضاع . والجواب الثالث : أن العشر نسخن بالخمس ، إنما هما جميعا بالسنة لا بالقرآن ، وإنما أضافت عائشة ذلك إلى القرآن لما في القرآن من وجوب العمل بالسنة كالذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إن الله لعن الواصلة والمستوصلة في كتابه ، فقالت له امرأة : ما وجدت هذا في الكتاب فقال : أليس الله تعالى يقول في كتابه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : 7 ] ومثله ما حكي عن الشافعي أنه قال : من سألني عن شيء أخبرته من القرآن ، فسأله رجل عن محرم قتل زنبورا فقال : لا شيء عليه ، فقال : فأين هذا من كتاب الله فقال : قول الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : 17 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتدوا بالذين من بعدي أي أبي بكر وعمر ، وسئل عن محرم قتل زنبورا ، فقال : لا شيء عليه والاعتراض الثاني : إن قالوا : فقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان تحريم الرضاع في صحيفة ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بغسله فدخل داجن الحي فأكلها ، ولو كان ذلك قرآنا كان محروسا لقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر : 9 ] فعنه جوابان : أحدهما : أن الذي أكله داجن الحي رضاع الكبير وحكمه منسوخ . والثاني : أن العشر منسوخ بالخمس ، وذلك غير صائر ؛ لأنه محفوظ في صدور الرجال قال النبي صلى الله عليه وسلم : أناجيل أمتي في صدورها ولو أكلت مصاحف العمر كلها ، لم تؤثر في القرآن لحفظه في الصدور . والاعتراض الثالث : أن قالوا : هذا إثبات نسخ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها قالت : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن ممن يقرأ في القرآن ، وبهذا لا يجوز وعنه جوابان : أحدهما : أنها روت بعد الرسول نسخا كان في زمان الرسول وقولها : كان مما يقرأ أي مما يعمل به ، والثاني : أنه كان يقرأ بعد الرسول لإثبات حكمه لا لإثبات تلاوته ، فلما ثبت حكمه تركت تلاوته . والاعتراض الرابع : أن فيه إثبات نسخ بخبر واحد ، والنسخ لا يكون إلا بإخبار التواتر ، وعنه جوابان : أحدهما : أن الطريق التي يثبت بها خبر المنسوخ ثبت بها خبر الناسخ فلم يجز أن يجعل حجة في إثبات المنسوخ دون الناسخ . [ ص: 365 ] والثاني : أنه ليس ذلك نسخا بخبر الواحد ، وإنما هو نقل نسخ بخبر الواحد ونقل النسخ بخبر الواحد مقبول فعلمت عائشة العشر ونسخها بالخمس فروتها ورجعت إلى الخمس ، وعلمت حفصة العشر ، ولم تعلم نسخها بالخمس فبقيت على الحكم الأول في تحريم الرضاع بالعشر دون الخمس ، ومن الدليل على ما ذهبنا إليه ما روي أن سهلة بنت سهيل بن عمرو كانت زوجة أبي حذيفة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله ، إن سالما كنا نراه ولدا ، وكان يدخل علي وأنا فضل ، وقد نزل من التبني والحجاب ما قد علمت فماذا تراني ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه خمسا يحرم بهن عليك ، ومنه دليلان : أحدهما : قوله يحرم بهن عليك فلم يجز أن يحرم بما دونها لما فيه من إبطال حكمه في وقوع التحريم بالخمس . والثاني : أن رضاع سالم حال ضرورة يوجب الاقتصار على ما تدعو إليه الضرورة ، ولو وقع التحريم بأقل منها لاقتصر عليه ، فإن قالوا : هذا وارد في رضاع الكبير ورضاعه منسوخ فلم يجز التعلق به ، فعنه جوابان : أحدهما : أنه يشتمل على حكمين : أحدهما : أنه رضاع الكبير . والثاني : عدد ما يقع به التحريم ، ونسخ أحد الحكمين ، لا يوجب سقوط الآخر ، كما قال تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت [ النساء : 15 ] فاشتملت على حكمين . أحدهما : عدد البينة في الزنا . والثاني : إمساكهن في البيوت إلى الموت حدا في الزنا ، ثم نسخ هذا الحد ، ولم يوجب ذلك سقوط عدد البينة . والثاني : أن رضاع الكبير حرم عند جواز التبني ؛ لأن سلمة وأبا حذيفة تبنيا سالما ، وكان التبني مباحا ، وكانا يريان سالما ولدا فلما حرم التبني ، ونزل الحجاب حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرضاع عن تبنيه المباح ليعود به إلى التبني الأول فلما نسخ الله تعالى حكم التبني بقوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم [ الأحزاب : 5 ] سقط ما يتعلق به من رضاع الكبير ؛ لأن الحكم إذا تعلق بسبب ثبت بوجوده وسقط بعدمه فصار رضاع الكبير غير [ ص: 366 ] محرم لعدم سببه لا لنسخه ، وقد جاء الشرع بمثل ذلك في مواضع منها فسخ الحج إلى العمرة ، أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عند نفورهم من العمرة في أشهر الحج ، فأمرهم بفسخ الحج بالعمرة ، وهذا أعظم من استئناف الإحرام بالعمرة ، وليزول من نفوسهم ما استنكروه فلا ينفروا منه ، وهذا المعنى قد زال لاستقراره في النفوس فزال به فسخ الحج ، لو لم يحكم بقليله وكثيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث