الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب أدب القاضي

[ القول في حكم القضاء ] .

الأصل في وجوب القضاء وتنفيذ الحكم بين الخصوم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمم عليه .

الدليل من الكتاب :

قال الله تعالى : ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ ص : 26 ] . الآية .

أما قوله تعالى : إنا جعلناك خليفة في الأرض ففيه وجهان :

أحدهما : خليفة لنا ، وتكون الخلافة هي النبوة .

والثاني : خليفة لمن تقدمك فيها ، وتكون الخلافة هي الملك .

وقوله : فاحكم بين الناس بالحق وفيما أخذ منه الحكم وجهان :

أحدهما : أنه مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه .

والثاني : أنه مأخوذ من إحكام الشيء ومنه حكمة اللجام لما فيه من الإلزام .

وفي قوله : بالحق وجهان :

أحدهما : بالعدل .

والثاني : الحق الذي ألزمك الله .

وفي قوله : ولا تتبع الهوى ، وجهـان :

أحدهما : الميل مع من يهواه .

والثاني : أن تحكم بما تهواه .

وفي قوله : فيضلك عن سبيل الله وجهان :

أحدهما : عن دين الله .

والثاني : عن طاعة الله .

وفي قوله : بما نسوا يوم الحساب وجهان :

[ ص: 4 ] أحدهما : بما تركوا من العمل ليوم الحساب .

والثاني : بما أعرضوا عن يوم الحساب .

وقال تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم [ الأنبياء : 78 ] . قال قتادة : النفش : رعي الليل ، والهمل : رعي النهار .

وكنا لحكمهم شاهدين وكان الحكم في غنم رعت كرم آخر ، وقيل زرعه ، فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم أو الزرع ، وحكم سليمان بأن تدفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بدرها ونسلها ويدفع الكرم إلى صاحب الغنم ليعمره حتى يعود إلى حالته ثم يرد الكرم ويسترجع الغنم . -

فقال تعالى : ففهمناها سليمان فكان حكم الله تعالى فيما قضاه سليمان ، فرجع داود عن حكمه إلى حكم سليمان - عليهما السلام - .

فإن قيل فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان ؟ فعنه جوابان :

أحدهما : أن داود كان قد أفتى بهذا الحكم ولم ينفذه فلذلك رجع عنه .

الثاني : أنه يجوز أن يكون حكم سليمان عن وحي فيكون نصا يبطل به الاجتهاد .

ثم قال تعالى وكلا آتينا حكما وعلما فيه وجهان :

أحدهما : أنه آتى كل واحد منهما من الحكم والعلم مثل ما آتاه للآخر .

والثاني : أنه آتى كل واحد منهما من الحكم والعلم غير ما آتاه للآخر .

وفي المراد بالحكم والعلم وجهان :

أحدهما : أن الحكم الاجتهاد والعلم النص .

والثاني : أن الحكم : القضاء والعلم : الفتيا .

قال الحسن البصري : لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا لكن الله تعالى عذر هذا باجتهاده وأثنى على هذا بصوابه .

وقال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] .

قال عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام : نزلت هذه الآية في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدرا ، وقيل إنه حاطب بن أبي بلتعة ، تخاصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج الحرة كانا يسقيان به نخلا لهما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال إن كان ابن عمتك ؟ ! فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى [ ص: 5 ] عرف أنه قد ساءه ثم قال : " يا زبير احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين ثم خل سبيل الماء " فنزل قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون أي لا يعلمون بما يوجبه الإيمان حتى يحكموك أي يرجعوا إلى حكمك فيما شجر بينهم ، أي فيما تنازعوا فيه .

وسميت المنازعة مشاجرة لتداخل كلامهما كتداخل الشجر الملتف .

ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت فيه وجهان

أحدهما : شكا ، قاله مجاهد .

والثاني : إنما قاله الضحاك : ويسلموا تسليما يحتمل وجهين :

أحدهما : يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك .

والثاني : يستسلموا إليك تسليما لأمرك .

وقال تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [ النساء : 58 ] .

وقال تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [ المائدة : 49 ] .

وأما السنة :

فروى بشر بن سعيد عن أبي قيس عن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " وإذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر " ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة .

فجعل له في الإصابة أجرين هما على الاجتهاد والآخر على الإصابة ، وجعل له في الخطأ أجرا واحدا على الاجتهاد دون الخطأ .

وروى أبو هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة : قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض قضى بجهل فهو في النار وقاض عرف الحق فجار فهو في النار " .

وروى عمرو بن الأسود عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إن الله مع القاسم حين يقسم ومع القاضي حين يقضي

[ ص: 6 ] وروى ابن عون الثقفي عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : " كيف تقضي إن عرض لك قضاء ؟ " .

قال : أقضي بكتاب الله ، قال " فإن لم يكن في كتاب الله " قال بسنة رسول الله . قال فإن لم يكن في سنة رسول الله " قال أجتهد رأيي ولا آلو ، قال : فضرب صدره وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله
.

وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسددانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه "

وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المتنازعين وحكم بين المتشاجرين .

وقلد القضاء ؛ فولى عليا قضاء ناحية اليمن وقال له : " إذا حضر الخصمان إليك فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر " قال علي فما أشكلت علي قضية بعدها وقدم منها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع .

واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد على مكة بعد الفتح واليا وقاضيا وقال " يا عتاب انههم عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا " .

وقلد معاذا قضاء بعض اليمن وقال له ما قدمنا .

وقلد دحية الكلبي قضاء ناحية اليمن وكان يشبهه بجبريل - عليه السلام - .

وكان إذا أسلم قوم أقام عليهم من يعلمهم شرائع الدين ويقضي بين المتنازعين .

وقد حكم الخلفاء الراشدون بين الناس وقلدوا القضاة والحكام .

فحكم أبو بكر - رضي الله عنه - بين الناس واستخلف القضاة ، وبعث أنسا إلى البحرين قاضيا .

وحكم عمر بين الناس ، وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيا ، وبعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيا .

وحكم عثمان بين الناس ، وقلد شريحا القضاء .

وحكم علي بين الناس وبعث عبد الله بن عباس إلى البصرة قاضيا وناظرا .

فصار ذلك من فعلهم إجماعا

[ ص: 7 ] دليل العقل والعرف :

ولأن القضاء أمر بالمعروف ونهي عن المنكر والله تعالى يقول : الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر [ التوبة : 112 ] . الآية .

ولأن الناس لما في طباعهم من التنافس والتغالب ولما فطروا عليه من التنازع والتجاذب يقل فيهم التناصر ويكثر فيهم التشاجر والتخاصم ، إما لشبهة تدخل على من تدين أو لعناد يقدم عليه من يجور . فدعت الضرورة إلى قودهم إلى الحق والتناصف بالأحكام القاطعة لتنازعهم والقضايا الباعثة على تناصفهم .

ولأن عادات الأمم به جارية وجميع الشرائع به واردة .

ولأن في أحكام الاجتهاد ما يكثر فيه الاختلاف فلم يتعين أحدهما بين المختلفين فيه إلا بالحكم الفاصل والقضاء القاطع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث