الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الركن الرابع : المحل ، وهي الزوجة ، ولا يشترط رضاها ، ولا رضا سيد الأمة ، ويستحب إعلامه ، ويشترط فيها بقاؤها في العدة ، وكونها قابلة للحل ، فلو ارتد الزوجان أو أحدهما في العدة ، فراجعها في حال الردة ، لم يصح ، وإذا أسلما قبل انقضاء العدة ، فلا بد من استئناف الرجعة ، نص عليه ، وبه قال الأصحاب . وقالالمزني : الرجعة موقوفة . فإذا أسلما في العدة ، تبينا صحتها . قال الإمام : وهذا له وجه ، ولكن لم أر من الأصحاب من جعله قولا مخرجا ، فعلى النص ، لو ارتد الزوجان أو أحدهما بعد الدخول ، ثم طلقها في العدة ، أو راجعها ، فالطلاق موقوف ، إن جمعهما الإسلام في العدة ، تبينا نفوذه ، والرجعة باطلة ، ولو كانا ذميين فأسلمت فراجعها وتخلف ، لم يصح ، ولو أسلم في العدة ، احتاج إلى الاستئناف .

فرع

إذا أثبتنا العدة بالوطء في الدبر ، أو بالخلوة ، ثبتت الرجعة على الأصح .

قلت : مما يتعلق بالركن ، قال إبراهيم المروذي : لو كان تحته حرة وأمة ، فطلق الأمة رجعية ، فله رجعتها . - والله أعلم .

فصل

العدة تكون بالحمل أو الأقراء أو الأشهر ، فلو ادعت المعتدة بالأشهر انقضاءها ، [ ص: 218 ] وأنكر الزوج ، صدق بيمينه ، لأنه اختلاف في وقت طلاقه . ولو قال : طلقتك في رمضان . فقالت : بل في شوال ، فقد غلطت على نفسها فتؤاخذ بقولها . وأما عدة الحامل ، فتنقضي بوضع الحمل التام المدة ، حيا كان أو ميتا أو ناقص الأعضاء ، وبإسقاط ما ظهر فيه صورة الآدمي ، فإن لم يظهر ، فقولان مشروحان في كتاب " العدة " . ومتى ادعت وضع حمل أو سقط

[ أو ] مضغة ، إذا اكتفينا بها ، صدقت بيمينها .

وقيل : لا تصدق مطلقا ، ولا بد من بينة ، وقيل : لا تصدق في الولد الميت إذا لم يظهر . وقيل : ولا في الولد الكامل . وقيل : ولا في السقط ، والمذهب الأول ، قال الأئمة : وإنما يصدقها فيما يرجع في العدة بشرطين . أحدهما : أن تكون ممن تحيض ، فلو كانت صغيرة أو آيسة ، لم تصدق .

والثاني : أن تدعي الوضع لمدة الإمكان ، ويختلف الإمكان بحسب دعواها . فإن ادعت ولادة ولد تام ، فأقل مدة تصدق فيها ستة أشهر ولحظتان من حين إمكان اجتماع الزوجين بعد النكاح لحظة لإمكان الوطء ، ولحظة للولادة ، فإن ادعت لأقل من ذلك ، لم تصدق ، وكان للزوج رجعتها .

وإن ادعت إسقاط سقط ظهرت فيه الصورة ، فأقل مدة إمكانه أربعة أشهر ولحظتان من يوم إمكان الاجتماع ، وإن ادعت إلقاء مضغة لا صورة فيها ، فأقل مدة إمكانها ثمانون يوما ، ولحظتان من يوم إمكان الاجتماع . وأما المعتدة بالأقراء ، فإن طلقت في الطهر حسب بقية الطهر قرءا ، وإن طلقت في الحيض ، اشترط مضي ثلاثة أطهار كاملة ، كما سيأتي في العدد إن شاء الله تعالى . فأقل مدة تمكن انقضاء العدة فيها إذا طلقت في الطهر اثنان وثلاثون يوما ولحظتان ، وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة ، ثم تحيض يوما وليلة ، ثم تطهر خمسة عشر ، ثم تحيض يوما وليلة ، وتطهر خمسة عشر ، ثم تطعن في الحيض ، هذا هو المذهب .

ولنا وجه أنه لا تعتبر اللحظة الأولى تفريعا على [ ص: 219 ] أن القرء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض ، فإذا صادف الطلاق آخر جزء من الطهر ، حسب ذلك قرءا ، ويظهر تصوير ذلك فيما إذا علق الطلاق بآخر . وفي قول : لا يحكم بانقضاء العدة بمجرد الطعن في الدم آخرا ، بل يشترط مضي يوم وليلة ، ثم هل اليوم والليلة على هذا ، أو اللحظة على المذهب من نفس العدة ، أم ليس منها وإنما هو لاستيقان انقضاء الأقراء ؟ فيه وجهان ، أصحهما : الثاني ، وتظهر فائدتهما في ثبوت الرجعة في ذلك الوقت ، هذا كله تفريع على المذهب أن أقل الحيض يوم وليلة ، فإن جعلناه أقل من ذلك ، نقص زمن الإمكان عن المدة المذكورة ، هذا كله في طهر غير المبتدأة ، أما إذا طلقت المرأة قبل أن تحيض ، ثم حاضت ، فيبنى أمرها على أن القرء طهر محتوش بدمين ، أم لا يشترط فيه الاحتواش ؟ فإن لم يشترط ، فحكمها في مدة الإمكان حكم غيرها ، وإن شرطناه ، فأقل مدة إمكانها ثمانية وأربعون يوما ولحظة ، هذا كله إذا طلقت في طهر .

أما المطلقة في حيض ، فأقل مدة إمكانها سبعة وأربعون يوما ولحظة ، بأن تطلق في آخر جزء من الحيض ، ويظهر تصويره فيما إذا علق طلاقها بآخر جزء من حيضها ، ثم تطهر خمسة عشر يوما ، ثم تحيض يوما وليلة ، وتطهر خمسة عشر ، ثم تحيض يوما وليلة ، وتطهر خمسة عشر ، وتطعن في الحيض ، وفي لحظة الطعن ما ذكرناه في المطلقة في الطهر ، ولا تحتاج هنا إلى تقدير لحظة في الأول ، لأن اللحظة هناك تحسب قرءا ، هذا حكم الحرة ، وأما الأمة ، فإن طلقت في طهر ، فأقل مدة إمكانها ستة عشر يوما ولحظتان ، وإن طلقت ولم تحض قط ، ثم ظهر الدم وشرطنا في القرء الاحتواش ، فأقل مدة الإمكان اثنان وثلاثون يوما ولحظة ، وإن طلقت في الحيض ، فالأقل أحد وثلاثون يوما ولحظة . إذا عرف هذا ، فإن لم يكن للمطلقة عادة في الحيض والطهر مستقيمة ، بأن لم تكن حاضت ثم طرأ حيضها ، وكان لها عادات مضطربة ، أو كانت لها عادة مستقيمة دائرة على الأقل حيضا وطهرا ، صدقت بيمينها إذا ادعت انقضاء الأقراء لمدة الإمكان ، فإن [ ص: 220 ] نكلت عن اليمين ، حلف الزوج وكان له الرجعة ، فإن كان لها عادة مستقيمة دائرة على ما فوق الأقل ، صدقت في دعوى انقضائها على وفق العادة ، وهل تصدق فيما دونها مع الإمكان ؟ وجهان . أصحهما عند الأكثرين : تصدق بيمينها ، لأن العادة قد تغير ، والثاني : لا للتهمة ، قال الشيخ أبو محمد : هذا هو المذهب . قال الروياني : هو الاختيار في هذا الزمان . قال : وإذا قالت لنا امرأة انقضت عدتي ، وجب أن نسألها عن حالها ، كيف الطهر والحيض ؟ ونحلفها عند التهمة لكثرة الفساد ، هذا لفظه .

فرع

ادعت انقضاء العدة لدون الإمكان ، ورددنا قولها ، فجاء زمن الإمكان ، فإن كذبت نفسها ، أو قالت : غلطت وابتدأت الآن دعوى الانقضاء ، صدقت بيمينها ، وإن أصرت على الدعوى الأولى ، صدقناها الآن أيضا على الأصح ، لأن إصرارها يتضمن دعوى الانقضاء الآن .

فرع

قال : إن ولدت فأنت طالق ، وطلقت بالولادة ، فأقل زمن يمكن انقضاء إقرائها فيه مبني على أن الدم تراه في الستين ، هل يجعل حيضا ، فيه خلاف سبق . فإن جعلناه حيضا وهو الأصح ، فأقل زمن تصدق فيه سبعة وأربعون يوما ولحظة ، كما لو طلقت في الحيض ، فتقدر أنها ولدت ولم تر دما ، ويعتبر مضي ثلاثة أطهار وثلاث حيض ، والطعن في الحيضة الرابعة ، وإن لم نجعله حيضا لم تصدق فيما دون اثنين وتسعين يوما ولحظة ، منها ستون للنفاس ، ويحسب ذلك قرءا ، وبعدها مدة حيضتين وطهرين ، واللحظة للطعن في الحيضة الثالثة ، هكذا ذكره البغوي ، ولم يعتد المتولي بالنفاس قرءا ، واعتبر مضي مائة وسبعة أيام ولحظة ، وهي مدة النفاس ، ومدة ثلاثة أطهار وحيضتين ، واللحظة للطعن .

[ ص: 221 ] فصل

الرجعة مختصة بعدة الطلاق ، فلو وطئ الزوج الرجعية في العدة ، فعليها أن تستأنف ثلاثة أقراء من وقت الوطء ، ويدخل فيها ما بقي من عدة الطلاق ، ولا تثبت الرجعة إلا فيما بقي من عدة الطلاق ، وله تجديد النكاح فيما زاد بسبب الوطء ، ولا يجوز ذلك لغيره .

ولو أحبلها بالوطء ، اعتدت بالوضع عن الوطء . وفي دخول ما بقي من عدة الطلاق في عدة الوطء وجهان . أصحهما : يدخل ، فعلى هذا ، له الرجعة في عدة الحمل على الأصح ، وحكى البغوي وجها ، أن الرجعة تنقطع على هذا بالحمل . فإن قلنا : لا تدخل ، فإذا وضعت ، رجعت إلى بقية الأقراء ، وللزوج الرجعة في البقية التي تعود إليها بعد الوضع ، وله الرجعة أيضا قبل الوضع على الأصح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث