الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فرع

علق طلاقها بالولادة ، فولدت ولدين ، فإن كان بينهما دون ستة أشهر ، لحقاه ، وطلقت بالأول ، وانقضت عدتها بالثاني ، وإن كان بينهما ستة أشهر فأكثر ، طلقت بولادة الأول ، ثم إن كان الطلاق بائنا ، لم يلحقه الثاني ، لأن العلوق به لم يكن في نكاح ، وإن كان رجعيا ، بني على أن السنين الأربع تعتبر من وقت الطلاق ، أم من انصرام العدة ؟ إن قلنا بالأول ، لم يلحقه . وإن قلنا بالثاني ، لحقه إذا أتت به لدون أربع سنين من ولادة الأول ، وتنقضي العدة بوضعه ، سواء لحقه أم لا ، لاحتمال وطء الشبهة بعد البينونة ، كذا قاله ابن الصباغ .

ولو ولدت ثلاثة أولاد ، فإن كانوا حملا واحدا ، بأن كان بين الأول والثالث دون ستة أشهر ، طلقت بالأول ، وانقضت عدتها بالثالث ، ولحقه الجميع . وإن كان بين الأولين أقل من ستة أشهر ، وبين الثاني والثالث أكثر منها ، لحقه الأولان وانقضت عدتها بالثاني ، ولا يلحقه الثالث . وإن كان بين الأول والثاني أكثر من ستة أشهر ، وبين الثاني والثالث ، دون الستة ، طلقت بالأول ولم يلحقه الآخران إن كان الطلاق بائنا ، وإن كان رجعيا ، ففيه الخلاف .

وإن زاد ما بين الأولين على ستة أشهر ، وكذا ما بين الثاني والثالث ، فالثالث غير لاحق به ، وكذا الثاني إن كان الطلاق بائنا . وإن كان رجعيا ، فعلى الخلاف ، ولو كان ما بين الأولين دون الستة ، وكذا ما بين الثاني والثالث ، وكان بين الثالث والأول أكثر من الستة ، فالأولان لاحقان دون الثالث . [ ص: 381 ]

فرع

هذا الكلام السابق ، إذا لم تصر بعد الطلاق فراشا لغيره حتى ولدت ، فلو صارت بأن نكحت بعد العدة ، ثم ولدت ، نظر ، إن ولدت لدون ستة أشهر من النكاح الثاني ، فكأنها لم تنكح ، والحكم على ما سبق ، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر ، فالولد للثاني وإن أمكن كونه من الأول ، لأن الفراش للثاني ناجز ، فهو أقوى ، ولأن النكاح الثاني قد صح ظاهرا . فلو ألحقنا الولد بالأول ، لبطل النكاح لوقوعه في العدة ، ولا سبيل إلى إبطال ما صح بالاحتمال ، ولو نكحت نكاحا فاسدا ، بأن نكحت في العدة ، لم يقطع العقد العدة ، لكن تسقط نفقتها وسكناها لنشوزها .

ثم إن وطئها الزوج عالما بالتحريم ، فهو زان لا يؤثر وطؤه في العدة ، وإن جهل التحريم لظنه انقضاء العدة ، أو أن المعتدة لا يحرم نكاحها ، انقطعت به العدة لمصيرها فراشا للثاني .

قال الروياني : ودعوى الجهل بتحريم المعتدة ، لا يقبل إلا من قريب عهد بالإسلام ، ودعوى الجهل بكونها معتدة يقبل من كل أحد ، ثم إذا فرق بينهما ، تكمل عدة الأول ، ثم تعتد للثاني ، فلو ولدت لزمان الإمكان من الأول دون الثاني ، لحق بالأول وانقضت عدته بوضعه ، ثم تعتد للثاني ، وإن أتت به لزمان الإمكان من الثاني دون الأول ، بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول ، فإن كان الطلاق بائنا ، فهو ملحق بالثاني ، وإن كان رجعيا ، فهل يلحق بالثاني ، أم يقال : فراش الأول باق فيعرض الولد على القائف ؟ فيه قولان ، وإن ولدته لزمن الإمكان منهما ، عرض على القائف ، فإن ألحقه بهما ، أو نفاه عنهما ، أو أشكل عليه ، أو لم يكن قائف ، انتظر بلوغه وانتسابه بنفسه ، وإذا وضعته ومضت ثلاثة أقراء ، حلت للزواج ، وإن ولدته لزمان لا يمكن أن يكون من واحد منهما ، بأن كان لدون ستة أشهر من نكاح الثاني ، ولأكثر من أربع سنين [ ص: 382 ] من طلاق الأول ، لم يلحق واحد منهما إن كان الطلاق بائنا ، فإن كان رجعيا عاد الخلاف في أنها هل هي فراش . وإذا نفيناه عنهما ، فعن الشيخ أبي حامد : أنه لا تنقضي العدة بوضعه عن واحد منهما ، بل بعد الوضع تكمل العدة عن الأول ، ثم تعتد عن الثاني . قال ابن الصباغ : وقياس ما ذكرنا ، فيما إذا علق طلاقها بالولادة فولدت ولدين بينهما ستة أشهر ، أن الثاني لا يلحقه ، وتنقضي العدة بوضعه أن نقول هنا : تنقضي العدة عن أحدهما .

ثم مدة الإمكان من الزوج الثاني ، هل تحسب من وقت النكاح الفاسد ، أم من وقت الوطء ؟ وجهان . أصحهما : الثاني ، وبالأول قال القفال الشاشي . ويقرب من هذا الخلاف الخلاف في أن العدة في نكاح الفاسد ، هل تحسب من آخر وطء فيه ، أم من وقت التفريق ؟ والأصح من التفريق ، لأن الفراش حينئذ يزول ، والتفريق بأن يفرق القاضي بينهما .

وفي معناه : ما إذا اتفق الزوجان على المفارقة ، وما إذا مات الزوج عنها أو طلقها وهو يظن الصحة ، ولو غاب عنها على عزم أن يعود إليها ، لم تحسب مدة الغيبة من العدة ، ولو عزم أن لا يعود ، حسبت .

وخرج على الخلاف المذكور ، أن لحوق الولد في النكاح الفاسد ، هل يتوقف على إقراره بالوطء كما في ملك اليمين ، أم يكفي فيه مجرد العقد كالنكاح الصحيح ؟ وأما إذا أحوجناه إلى الإقرار بالوطء ، فهل ينتفي الولد بدعوى الاستبراء كملك اليمين ، أم لا ينتفي باللعان ؟ والأصح الثاني . ولو وطئت بالشبهة في العدة فولدت للإمكان من الزواج والواطئ ، عرض الولد على القائف ، كما ذكرنا في النكاح الفاسد . ولو وطئت بعد انقضاء العدة ، فهل هو كالنكاح الثاني في قطع فراش الأول ؟ وجهان . أحدهما : لا ، بل يعرض الولد على القائف ، وأصحهما : [ ص: 383 ] ( نعم ) لانقطاع النكاح الأول والعدة عنه في الظاهر ، فعلى هذا ، لو ولدت للإمكان منهما ، لحق بالواطئ كما يلحق بالزوج الثاني .

فرع

ولدت وطلقها ، ثم اختلفا ، فقال : طلقتك بعد الولادة فلي الرجعة ، وقالت : بل قبلها وانقضت عدتي بالوضع ، فإن اتفقا على وقت الولادة ، كيوم الجمعة وقال : طلقتك يوم السبت ، وقالت : يوم الخميس ، فهو المصدق بيمينه ، لأن الطلاق بيده ، فصدق فيه كأصله . وإن اتفقا على ( وقت ) الطلاق كيوم الجمعة ، وقال : ولدت يوم الخميس ، وقالت : يوم السبت ، صدقت بيمينها . وإن لم يتفقا على وقت ، وادعى تقدم الولادة ، وهي تقدم الطلاق ، فهو المصدق . ولو ادعت تقدم الطلاق ، فقال : لا أدري ، لم يقنع منه ، بل إما أن يحلف يمينا جازمة أن الطلاق لم يتقدم ، وإما أن ينكل فتحلف هي ، ويجعل بقوله : لا أدري - منكرا ، فتعرض اليمين عليه ، فإن أعاد كلامه الأول ، جعل ناكلا فتحلف هي ولا عدة عليها ولا رجعة له ، وإن نكلت ، فعليها العدة . قال الأصحاب : وليس هذا قضاء بالنكول ، بل الأصل بقاء النكاح وآثاره ، فيعمل بهذا الأصل ما لم يظهر دافع .

ولو جزم الزوج بتقدم الولادة ، وقالت هي : لا أدري ، فله الرجعة ، والورع أن لا يراجع ، وكذا الحكم لو قال : لا ندري السابق منهما ، وليس لها النكاح حتى تمضي ثلاثة أقراء . [ ص: 384 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث