الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 71 ]

حمد من آمن بك وأسلم ، وفوض إليك أمره وسلم ، وانقاد لأوامرك واستسلم ، وخضع لعزك القاهر ودان .

التالي السابق


قوله : " حمد من آمن بك وأسلم ، وفوض إليك أمره وسلم ، وانقاد لأوامرك واستسلم ، وخضع لعزك القاهر ودان " .

قوله : " أحمدك " : أي : أحمدك حمدا مثل حمد من آمن بك ، فحذف المصدر وصفته وأقام ما أضيف إليه مقامه اختصارا ، لأن العقل يدل على ذلك ، إذ ليس حمدي لله مثلا هو نفس حمد من آمن غيري ، بل هو مثله ، ومثل ذلك قولهم : أعطى عطاء الأجواد ، وبخل بخل الأوغاد ، أي : مثله ، وقال امرؤ القيس :


إذا قامتا تضوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

أي تضوع تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا ، وهو أكثر حذفا مما قلناه .

وقوله : " من آمن بك وأسلم " إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام . وقد نص الكتاب والسنة على الفرق بينهما ، أما الكتاب ، فقوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [ الحجرات : 14 ] ، نفى الإيمان وأثبت الإسلام ، والمنفي غير المثبت ، فالإيمان غير الإسلام ، والمتغايران مفترقان ، وذلك يوجب [ ص: 72 ] الفرق بين الإيمان والإسلام .

وأما السنة : فحديث جبريل الصحيح حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما الإيمان ؟ فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر - أي تصدق بذلك - قال : فما الإسلام ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان رواه مسلم ، وصححه الترمذي .

ودلالته على الفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن جبريل سأل عن كل واحد منهما بصيغة مفردة سؤالا مستقلا وذلك قاطع في الفرق ، كما إذا قيل : ما الإنسان وما الأسد ؟ فإنه يفيد الفرق بينهما قطعا .

الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم أقره على الفرق في السؤال عنهما ، وأجابه عنهما بحقيقتين مختلفتين ، ففسر الإيمان بالتصديق القلبي ، والإسلام بالعمل البدني ، وهذا قاطع في أن اختلافهما اختلاف كلي ، وليس بينهما عموم وخصوص ، وأن الإسلام أثر الإيمان ومكمله وصفة له لا ركن فيه وجزء له .

وأما الاحتجاج على اتحاد الإيمان والإسلام بقوله تعالى : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين [ الذاريات : 35 - 36 ] ، والمراد بهما واحد ، وهو آل لوط ، فضعيف ، وجوابه : أنه وصفهم بالأمرين تخصيصا لهم ، ومدحا وتعظيما ، أو أنه غاير بين الفاصلتين في الآيتين دفعا للتكرار ، كما بيناه في " بغية الواصل " . [ ص: 73 ]

قوله : " وفوض إليك أمره وسلم " ، التفويض : رد الأمر إلى الغير لينظر فيه ، وقوة اللفظ تعطي التوسيع ، كأن من فوض أمره إلى غيره قد جعله في سعة من الاعتراض عليه ، ويقال : أموالهم بينهم فوضى وفيضوضى : إذا كانوا شركاء فيها ، وأمره : أي شأنه وكل ما يعنيه من استجلاب خير ، أو استدفاع شر ، فهو مفوض فيه إليك لعلمه أنه لا يصدر شيء إلا عنك نعمة وبلاء ، ومنعا وعطاء ، وأنك المستبد في الخلق حكما وقضاء . والتسليم في معنى التفويض ، قال الله تعالى : ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ النساء : 65 ] .

وقوله : " وانقاد لأوامرك واستسلم " الانقياد : هو المتابعة مع المطاوعة ، كالبعير وغيره من الدواب إذا قيد بزمامه ، تابع مطاوعا . والاستسلام : تسليم النفس خوفا من العقاب ، وليس هذا فيما بين الله سبحانه وتعالى نفاقا ، لأن الخوف من الله واجب ، بخلاف ذلك فيما بين المخلوقين ، فإنه قد يكون نفاقا كالحربي والمرتد إذا أسلم خوفا من القتل ، لأن خوف المخلوقين غير واجب ، كما قال سبحانه وتعالى : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] فهذا استسلام للكفر تقية ، وليس المراد هاهنا الانقياد للأوامر ، أي نعتقد وجوب امتثال أوامرك ونواهيك فعلا وكفا وهذا شأن جميع المؤمنين ، والمعنى نحمدك حمد المؤمنين .

وقوله : " وخضع لعزك القاهر ودان " الخضوع : التطامن والتواضع ، ومنه خضع النجم : إذا مال للمغيب ، وخضع الإنسان خضعا : أمال رأسه إلى الأرض ودنا منها ، والله أعلم .

ولا بد للمؤمن الكامل ما تضمنته هذه الجملة من الصفات ، وهي الإيمان [ ص: 74 ] القلبي حتى بالقدر ، والعمل البدني مع الانقياد والاستسلام والخضوع ، قال الله تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [ المؤمنون : 1 - 2 ] ، فذكر الإيمان ، وهو أكبر وظائف القلب ، والصلاة ، وهي أكبر وظائف البدن ، والخشوع وهو أكبر الوظائف المشتركة بينهما ، لأن الخشوع تواضع يكون في القلب ، ثم يظهر على الجوارح ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رآه يصلي وهو يعبث ، فقال . لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث