الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انقسام الشيء إلى جنس ونوع وشخص من حيث ورود الأمر والنهي عليه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 370 ]

وأجيب عن الكل ، بأن مع النظر إلى عين هذه الصلاة ، لا جهتين ، بخلاف ما ذكرتم ، ثم يلزم عليه صوم يوم النحر بالجهتين ، ولا فرق .

ثم إن الإخلال بشرط العبادة مبطل ، ونية التقرب بالصلاة شرط . والتقرب بالمعصية محال . والمختار صحة الصلاة ، نظرا إلى جنسها ، لا إلى عين محل النزاع .

التالي السابق


قوله : " وأجيب عن الكل " أي : عن الحجج الثلاث المذكورة على صحة الصلاة : " بأن مع النظر إلى عين هذه الصلاة لا جهتين " .

هذا إشارة إلى المأخذ السابق للمسألة المذكورة ، وهو أنا إذا نظرنا إلى عين هذه الصلاة الواقعة في المكان المغصوب ، لم تتحقق الجهتان بما تقدم من جهة النافي للصحة ، إذا لم تتحقق الجهتان ، امتنع قياسها في الصحة على طاعة العبد الخياط وعصيانه ، ومروق السهم من كافر إلى مسلم ، واتحد متعلق الأمر والنهي ، وهو عين هذه الصلاة ، لأن ما ذكرتم من الصور تحققت فيه الجهتان .

قوله : " ثم يلزم عليه " إلى آخره .

هذا إلزام على من صحح هذه الصلاة .

وتقريره أن صحة الصلاة في المكان الغصب باعتبار الجهتين كما قررتم ، يلزم عليه صحة " صوم يوم النحر " وغيره من الأزمنة المنهي عن صيامها باعتبار الجهتين ، لأن الصوم من حيث هو مطلوب ، وإنما المنهي عنه إيقاعه في هذا الزمن المنهي عن الصوم فيه ، لكنهم قالوا : لا يصح . والفرق عسير ، وربما فرق [ ص: 371 ] بعضهم بأن الفعل أخص بالزمان ، وألزم له من المكان بدليل انقسام الفعل بانقسام الزمان إلى ماض وحال ومستقبل ، ولم ينقسم بانقسام الأمكنة ، والفعل والزمان عرضان والمكان جسم ، وحينئذ جاز أن يؤثر الزمان في الفعل من البطلان لاختصاصه به ولزومه ما لا يؤثره المكان لعدم ذلك ، وهذا فرق لكن في تأثيره نظر . وقد تنازع الفقهاء في هذا أعني : صوم يوم العيد ، فقال الشافعي : المنهي عنه نفس الصوم في يوم العيد .

وقال أبو حنيفة : المنهي عنه إيقاع الصوم في يوم العيد لا نفس الصوم ، فلا تضاد بينهما .

وقال بعض مصححي هذه الصلاة : لو لم تصح الصلاة في المكان المغصوب ، لما صح الوقوف بعرفة على جمل مغصوب ، لكن قد صح هناك فلتصح الصلاة هنا .

قلت : ويمكن الفرق من وجهين :

أحدهما : أن أحكام الحج قد دخلها من الاحتياط لصحتها ما لم يدخل أحكام الصلاة ، حتى قالوا : يلزم نفل الحج بالشروع دون نفل الصلاة ، وإن من أحرم عن نذر أو عن نفل أو غيره ولم يكن حج عن نفسه ، انقلب الإحرام إلى فرضه ، وإن الإحرام ينعقد بالنية ، ولا يزول برفضها . ولم يقولوا كذلك في الصلاة ، فلا يصح قياسها على الحج .

الوجه الثاني : أن الصلاة للمكان ألزم من الوقوف على البعير إذ يمكن الوقوف على غير بعير ولا دابة أصلا ، ولا يمكن الصلاة في غير مكان أصلا . [ ص: 372 ]

قوله : " ثم إن الإخلال بشرط العبادة مبطل " إلى آخره ، هذا تأكيد وتقوية للقول ببطلان هذه الصلاة ، وتقريره أن نية التقرب بالصلاة شرط في صحتها ، وكون هذه الصلاة معينة منهيا عنها بما سبق من الحجة عليه مخل بشرط صحتها ، إذ التقرب بالمعصية محال ، لتناقض المعصية والقربة ، والإخلال بشرط العبادة مبطل لها ، فهذه الصلاة قد اختل شرط صحتها ، وهو نية التقرب بها ، فتكون باطلة .

واعلم : أن هذا إنما يصح باعتبار المأخذ الأول ، وهو النظر إلى عين الصلاة الواقعة ، لا إلى الصلاة من حيث هي .

قوله : " والمختار صحة الصلاة " في الموضع المغصوب " نظرا إلى جنسها " أي : إلى الصلاة من حيث هي " لا إلى عين محل النزاع " يعني الصلاة المعينة في مكان مغصوب ، وهو اختيار لأحد المأخذين السابقين .

وإنما اخترت هذا المأخذ لوجوه :

أحدها : أن الصحة والبطلان ونحوهما أحكام من الشرع ، وأحكام الشرع من حيث هي كلية ، والتخصيص والتعيين فيها عارض ، وبيان ذلك أن الشرع مثلا يفرض صورة فعل كلي ، ثم يحكم عليه بما يراه ، فيقول : السرقة فيها القطع ، والزنى فيه الحد ، والقتل فيه القود ، ونحو ذلك من الأحكام ، أما هذه السرقة ، أو هذا الزنى ، أو هذا القتل المعين ، أو سرقة زيد أو عمرو أو زناهما أو قتلهما ، فإنما عرض ذلك ضرورة تعين المحل ، فكذلك حكم الشرع هاهنا إنما توجه إلى الصلاة الكلية ، أعني صورة الصلاة الموجودة في الذهن التي يصح صدورها عن كل واحد من المكلفين في مكان مغصوب ، فإذا وقعت في مكان مغصوب [ ص: 373 ] لحقها حكم الشرع بحسب اجتهاد المجتهد إذا لم يكن نص خال عن معارض ، وحينئذ تتحقق الجهتان كما قلنا .

الوجه الثاني : أن القاعدة وجوب تصحيح تصرفات العقلاء المكلفين ما وجد السبيل إلى ذلك ، خصوصا العبادات التي هي خالص حق الله سبحانه وتعالى .

فقولنا في تصحيحها جار على القاعدة ، وقول الخصم في إبطالها خارج عنها ، ومن المعلوم أن موافقة القواعد أولى من مخالفتها .

الوجه الثالث : أن الصلاة تتضمن مصلحة ، والغصب يتضمن مفسدة ، والعناية بتحصيل المصلحة إن لم تكن أشد من العناية بدفع المفسدة ، فلا أقل من أن تساويها ، لأن تحصيل المصلحة مقصود لذاته ، ودفع المفسدة لغيره ، وهو ما يعرض من الضرر بسبب تلك المفسدة ، فنحن في تصحيحنا للصلاة جمعنا بين الأمرين :

تحصيل مصلحة الصلاة بتصحيحها ، ودفع مفسدة الغصب بتأثيم فاعله ، والخصم بإبطال الصلاة ألغى تحصيل مصلحتها ، فكان ما اخترناه أولى .

وقد يقال على هذا الوجه : كما أن دفع المفسدة مقصود لما يعرض منها من الضرر كذلك تحصيل المصلحة مقصود لما يعرض منه من النفع ، فكلاهما مقصود لغيره ، فلا تكون العناية بتحصيل المصلحة أرجح .

والجواب أنا قد قلنا : إن لم تكن العناية بتحصيل المصلحة أشد فلا أقل من التساوي ، وإذا تساويا كان تعيين دفع مفسدة الغصب ترجيحا من غير مرجح ، [ ص: 374 ] وحينئذ يجب تحصيل الأمرين كما قررناه وهو المطلوب .

فإن قيل : تصحيح الصلاة حق الله سبحانه وتعالى ، ودفع مفسدة الغصب بإبطالها حق العبد المغصوب منه ، فينبغي ترجيحه لما عرف من محافظة الشرع على حقه لفقره ، وغنى الله سبحانه وتعالى .

قلنا : لا نسلم رجحان حق العبد . والقاعدة التي يقولها الفقهاء باطلة بدليل قوله عليه السلام : دين الله أحق أن يقضى وتتحاص الزكاة والحج والدين في تركة الميت ، ولئن سلمنا ترجيح حق العبد ، لكن حق العبد هنا يحصل بتأثيم الغاصب ، ولا حاجة إلى إبطال الصلاة ، غاية ما فيه أن إبطال الصلاة أبلغ في تحصيل حق العبد بدفع مفسدته وحسم باب الغصب عنه ، لكن الأبلغية لا ضرورة إليها ولا حاجة مع معارضة مفسدة إبطال العبادة لها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث