الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 563 ]

ثم قد يبعد الاحتمال ، فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي ، وقد يقرب ، فكيفية أدنى دليل ، وقد يتوسط ، فكيفية مثله . والدليل قرينة ، أو ظاهر آخر ، أو قياس .

التالي السابق


قوله : " ثم قد يبعد الاحتمال ، فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي ، وقد يقرب ، فيكفيه أدنى دليل ، وقد يتوسط فيكفيه مثله " .

معنى هذا الكلام أن الاحتمال المرجوح المقابل للراجح الظاهر ، قد يكون بعيدا عن الإرادة ، وقد يكون قريبا منها ، وقد يكون متوسطا بين البعيد عنها والقريب منها ، فالاحتمال البعيد يحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي ، لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال ، فيقويان على الاستيلاء على الظاهر ، والاحتمال القريب يكفيه في ذلك أدنى دليل ، وهذا إطلاق ليس بجيد ، بل يكفيه دون ما يكفي الاحتمال البعيد ، لكن بشرط أن يكون هذا الدليل الذي إذا انضم إلى ذلك الاحتمال القريب ترجحا جميعا على الظاهر ، وإلا ، فأدنى دليل قد لا يكون إذا انضم إلى الاحتمال القريب مؤثرا في استيلائهما على الظاهر ، فيكون وجوده وعدمه سواء ، والاحتمال المتوسط بين الاحتمالين قربا وبعدا يكفيه دليل متوسط بين الدليلين قوة وضعفا .

وبالجملة : فالغرض من دليل التأويل أن يكون بحيث إذا انضم إلى احتمال اللفظ المؤول اعتضد أحدهما بالآخر ، واستوليا على الظاهر ، وقدما عليه ، فما [ ص: 564 ] كان في احتمال اللفظ من ضعف جبر باعتبار قوة في الدليل ، وما كان فيه من قوة سومح بقدره في الدليل ، والمعتمد قبالة المعتدل فهما يحصلان الغرض ، والكلام في هذا المكان كالميزان ، فلو فرضنا ميزانا في إحدى كفتيه عشرة أرطال ، وفي الكفة الأخرى ثلاثة أرطال ، احتجنا لتعديلهما إلى سبعة أرطال ، وهو نظير الاحتمال المرجوح مع الدليل القوي ، وإن كان في الكفة المرجوحة سبعة أرطال ، احتجنا في تعديلهما إلى ثلاثة أرطال ، وهو نظير الاحتمال الراجح مع الدليل اللين ، وإن كان في الكفة المرجوحة خمسة أرطال أو ستة أرطال احتجنا في التعديل إلى خمسة أو أربعة أرطال ، فالتفاوت هاهنا متوسط ، وهو نظير الاحتمال المتوسط مع الدليل المتوسط ، وسيأتي لهذا أو بعضه أمثلة فيما بعد إن شاء الله تعالى .

قوله : " والدليل قرينة ، أو ظاهر آخر ، أو قياس " أي : دليل التأويل الذي يقوى به الاحتمال المرجوح على الظاهر ، قد تكون قرينته متصلة بالظاهر ، أو منفصلة ، وقد يكون ظاهرا آخر ، أو نصا يوافق الاحتمال المرجوح ، وقد يكون قياسا ، لأن هذه كلها أدلة تصلح للترجيح ، إذ مقصوده حاصل بها .

فالقرينة المتصلة ، كالمناظرة التي حصلت بين أحمد والشافعي رضي الله عنهما .

قال أحمد في رواية صالح وحنبل : كلمت الشافعي في هذه المسألة ، يعني أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب ، لقوله عليه السلام : العائد في هبته كالكلب يعود [ ص: 565 ] في قيئه ، فقال الشافعي - وكان يرى أن له الرجوع - : ليس بمجرم على الكلب أن يعود في قيئه قال أحمد : فقلت له : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس لنا مثل السوء ، فسكت ، يعني الشافعي .

قلت : فالشافعي تمسك بالظاهر ، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في قيئه ، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم ، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه ، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه احتمالا قويا جدا ، فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدا ، لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف جدا ، فقواه بالقرينة المذكورة وهي قوله عليه السلام في صدر الحديث المذكور : ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه وهي دليل قوي ، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور ، وهو دليل الاهتمام به ، فأفاد ذلك لغة وعرفا ، أن الرجوع في الهبة مثل سوء ، وقد نفاه صاحب الشرع ، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته ، فلزم من ذلك أن جواز الرجوع في الهبة يحرم إثباته ، فيجب نفيه ، وهو المطلوب .

ومثال القرينة المنفصلة : ما ذكره الفقهاء فيمن جاء من أهل الجهاد بمشرك ، فادعى أنه أمنه ، فأنكره المسلم ، وادعى أسره ، ففيه أقوال : ثالثها : القول قول من ظاهر الحال صدقه ، فلو كان الكافر أظهر قوة وبطشا وشهامة من المسلم ، جعل [ ص: 566 ] ذلك قرينة في تقديم قوله ، مع أن قول المسلم لإسلامه وعدالته راجح ، وقول الكافر مرجوح ، لكن القرينة المنفصلة عضدته ، حتى صار أقوى من قول المسلم الراجح ، والله تعالى أعلم .

ومثال الظاهر : أن قوله سبحانه وتعالى : حرمت عليكم الميتة [ المائدة : 3 ] ، ظاهر في تحريم جلدها ، دبغ أو لم يدبغ ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالا مترددا ، له من جهة أن إضافة التحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل ، والجلد غير مأكول ، فيقتضي عدم تناول الجلد ، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي ، متناول لجميع أجزائها ، يقتضي تناول الجلد ، في نظرنا في قوله عليه السلام : أيما إهاب دبغ فقد طهر فهو عموم وظاهره ، يتناول إهاب الميتة ، فكان هذا الظاهر مقويا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التحريم .

ومثال النص : قوله عليه السلام في شاة مولاة ميمونة : ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ، فقالوا : إنها ميتة ، قال : إنما حرم من الميتة أكلها ، فهذا نص في طهارة جلد الميتة .

ومثال القياس : أن تركه سبحانه وتعالى ذكر الإطعام في كفارة القتل ، ظاهر في عدم وجوبه ، إذ لو وجب ، لذكره كما ذكر التحرير والصيام . هذا مع احتمال أن يكون واجبا مسكوتا عنه ، يستخرجه المجتهدون ، ثم رأينا إثبات الإطعام في كفارة القتل ، [ ص: 567 ] بالقياس على إثباته في كفارة الظهار والصيام واليمين متجها ، لأن الكفارات حقوق لله تعالى ، وحكم الأمثال واحد ، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل ، وقد ذكر هذا في باب المطلق والمقيد ، ولا تنافي بينه وبين القياس ، لجواز أن يكون حمل المطلق على المقيد بالقياس ، وهو كذلك ولا شك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث