الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مناهج العلماء في التأليف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 96 ]

مع تقريب الإفهام على الأفهام ، وإزالة اللبس عنه مع الإبهام . حاويا لأكثر من علمه ، في دون شطر حجمه ، مقرا له غالبا على ما هو عليه من الترتيب ، وإن كان ليس إلى قلبي بحبيب ولا قريب . سائلا من الله تعالى وفور النصيب ، من جميل الأجر ، وجزيل الثواب ، ودعاء مستجاب ، وثناء مستطاب ، اللهم فهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

التالي السابق


وقد رتب جماعة من الأصوليين أصول الفقه ترتيبا حسنا ، فمنهم الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله على ما حكينا عنه ، ومنهم الشيخ سيف الدين الآمدي رحمه الله في " المنتهى " وغيره ، فإنه رتبه على أربعة أصول :

الأول : في تحقيق مبادئه .

الثاني : في الدليل وأقسامه وأحكامه .

الثالث : في أحوال المجتهدين والمفتين والمستفتين .

الرابع : في ترجيحات طرق المطلوبات .

وهو ترتيب مختصر جامع انتظم جميع ما يحتاج إليه في هذا العلم ، على ما فصله في كتابه ، ويقع التنبيه عليه عند ذكرنا تقسيم غيره .

ومنهم الشيخ أبو إسحاق في " اللمع " حيث قال : وأما أصول الفقه ، فهي الأدلة التي يبنى عليها الفقه ، وما يتوصل به إلى الأدلة على سبيل الإجمال .

والأدلة هاهنا : خطاب الله عز وجل ، وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله وإقراره ، [ ص: 102 ] وإجماع الأمة ، والقياس ، والبقاء على حكم الأصل عند عدم هذه الأدلة ، وفتيا العالم في حق العامة . وما يتوصل به إلى الأدلة ، فهذا الكلام على تفصيل هذه الأدلة ووجوبها وترتيب بعضها على بعض .

وأول ما نبدأ به : الكلام في خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأنهما أصل لما سواهما من الأدلة ، ويدخل في ذلك أقسام الكلام ، والحقيقة والمجاز ، والأمر والنهي ، والعموم والخصوص ، والمجمل والمبين ، والناسخ والمنسوخ .

ثم الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره ، لأنها تجري مجرى أقواله في البيان .

ثم الكلام في الأخبار لأنها طريق إلى معرفة ما ذكرناه من الأقوال والأفعال .

ثم الكلام في الإجماع ، لأنه ثبت كونه دليلا بخطاب الله عز وجل ، وخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعنهما ينعقد الإجماع .

ثم الكلام في القياس لأنه ثبت كونه دليلا بما ذكرناه من الأدلة وإليها يستند .

ثم ذكر حكم الأشياء في الأصل ، لأن المجتهد إنما يفزع إليه عند عدم هذه الأدلة .

ثم نذكر فتيا العالم ، وصفة المفتي والمستفتي ، لأنه إنما يصير طريقا للحكم بعد العلم بما ذكرناه .

ثم نذكر الاجتهاد ، وما يتعلق به بعد ذلك إن شاء الله تعالى ، هذا كلام الشيخ أبي إسحاق بلفظه .

ومنهم الإمام فخر الدين أبو عبد الله الرازي رحمه الله ، قال في " المحصول " : الفصل العاشر في ضبط أبواب أصول الفقه : وقد عرفت أن أصول الفقه عبارة عن [ ص: 103 ] مجموع طرق الفقه ، وكيفية الاستدلال بها ، وكيفية حال المستدل بها .

أما الطرق : فهي إما عقلية ، ولا مجال لها عندنا في الأحكام ، خلافا للمعتزلة حيث قالوا : حكم العقل في المنافع الإباحة ، وفي المضار التحريم . أو سمعية ، وهي إما منصوصة أو مستنبطة .

أما المنصوصة : فهي إما قول أو فعل يصدر عمن لا يجوز الخطأ عليه ، وهو الله تعالى ورسوله ومجموع الأمة ، والصادر عن الرسول وعن الأمة إما قول أو فعل ، والفعل لا يدل إلا مع القول ، فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية ، والدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذاتها ، وهي الأوامر والمناهي . وإما في عوارضها ، إما بحسب متعلقاتها ، وهي العموم والخصوص ، أو بحسب كيفية دلالتها ، وهي المجمل والمبين ، والنظر في الذات مقدم على النظر في العوارض ، فلا جرم باب الأمر والنهي مقدم على باب العموم والخصوص .

ثم النظر في العموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي ، والنظر في المجمل والمبين نظر في كيفية تعلق الأمر والنهي بتلك المتعلقات ، ومتعلق الشيء مقدم على النسب العارضة بين الشيء ومتعلقه ، فلا جرم قدم باب العموم والخصوص على باب المجمل والمبين ، وبعد الفراغ منه لا بد من باب الأفعال .

ثم هذه الدلالة تارة ترد لإثبات الحكم ، وتارة لرفعه ، فلا بد من باب النسخ ، وإنما قدمناه على باب الإجماع ، لأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وكذا القياس ، ثم ذكرنا بعده باب الإجماع ، ثم هذه الأقوال والأفعال قد يحتاج إلى التمسك بها من لم يشاهد من صدرت عنه ، ولا أهل للإجماع فلا تصل إليه هذه الدلالة إلا [ ص: 104 ] بالنقل ، فلا بد من البحث عن النقل الذي يفيد العلم ، والنقل الذي يفيد الظن ، وهو باب الأخبار .

وهذه جملة أبواب أصول الفقه بحسب الدلائل المنصوصة .

ولما كان التمسك بالمنصوصات إنما يمكن بواسطة اللغات وجب تقديم باب اللغات على الكل .

وأما الدليل المستنبط فهو القياس .

فهذه أبواب طرق الفقه .

أما أبواب كيفية الاستدلال بها ، فهو باب الترجيح .

وأما كيفية حال المستدل بها ، فالذي ينزل حكم الله تعالى به ، إن كان عالما فلا بد له من الاجتهاد ، وهو باب شرائط الاجتهاد وأحكام المجتهدين ، وإن كان عاميا ، فلا بد له من الاستفتاء ، وهو باب المفتي والمستفتي .

ثم نختم الأبواب بذكر أمور اختلف المجتهدون في كونها طرقا إلى الأحكام الشرعية .

فهذه مجموع أبواب أصول الفقه : أولها اللغات ، ثم الأمر والنهي ، ثم العموم والخصوص ، ثم المجمل والمبين ، ثم الأفعال ، ثم الناسخ والمنسوخ ، ثم الإجماع ، ثم الأخبار ، ثم القياس ، ثم الترجيح ، ثم الاجتهاد ، ثم الاستفتاء ، ثم الأمور المختلف في كونها طرقا للأحكام ، فهي ثلاثة عشر بابا .

هذا كلامه بلفظه إلا أحرفا يسيرة لخصتها منه .

ولم يذكر المطلق والمقيد ، لأنه أدرجه في كتاب العموم والخصوص ، وهذا تقسيم وترتيب لا مزيد عليه .

ومنهم الشيخ الإمام الأوحد شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المالكي ، المعروف بالقرافي ، جعل كتابه " التنقيح " مشتملا على مائة فصل وفصلين يجمعها عشرون بابا . [ ص: 105 ]

الباب الأول في الاصطلاحات ، ثم في معاني الحروف ، ثم في تعارض مقتضيات الألفاظ ، ثم في الأوامر ، ثم في النواهي ، ثم في العمومات ، ثم في أقل الجمع ، ثم في الاستثناء ، ثم في الشروط ، ثم في المطلق والمقيد ، ثم في دليل الخطاب ، ثم في المجمل والمبين ، ثم في فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم في النسخ ، ثم في الإجماع ، ثم في الأخبار ، ثم في القياس ، ثم في التعارض والترجيح ، ثم في الاجتهاد ، ثم في أدلة المجتهدين .

وهو قريب من الترتيب قبله ومقتضب منه ، وهو كثيرا ما يأتم بالإمام أبي عبد الله الرازي فيما يصح عنده ، على جهة التأدب والاعتراف بالفضيلة .

ومنهم من مشايخ أصحابنا القاضي أبو يعلى رحمه الله ، قال في " العدة " : الذي نقول : إن أصول الفقه وأدلة الشرع ثلاثة أضرب : أصل ، ومفهوم أصل ، واستصحاب حال . والأصل : ثلاثة أضرب : الكتاب والسنة وإجماع الأمة . والكتاب ضربان : مجمل ومفصل . والسنة ضربان : مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنقول عنه .

والكلام في المنقول ، في سنده من حيث التواتر والآحاد ، وفي متنه من حيث هو قول أو فعل أو إقرار على واحد منهما ، والإجماع يذكر .

ومفهوم الأصل : ثلاثة أضرب : مفهوم الخطاب ، ودليله ، ومعناه . واستصحاب الحال : ضربان : أحدهما : استصحاب براءة الذمة ، والثاني : استصحاب حكم الإجماع بعد الخلاف . هذا حاصل كلامه لخصته أنا ، وفي ظاهر لفظه مناقشة ، وهو أنه قال في متن الحديث : إنه على ضربين : قول ، وفعل ، وإقرار على قول أو فعل . وهذه ثلاثة أضرب لا ضربان ، فلعله جعل الإقرار نوعا من الفعل ، وجعلهما [ ص: 106 ] جميعا قسيم القول ، فصار تقديره : المتن ، إما قول أو فعل ، والفعل ينقسم إلى مباشرة ، وإقرار على مباشرة ، ولا يستقيم كلامه إلا بهذا .

قال القاضي : وقد قيل : إن أصول الفقه وأدلة الشرع على ضربين : أحدهما : ما طريقه الأقوال ، والآخر : الاستخراج .

فأما الأقوال : فهي النص والعموم والظاهر ومفهوم الخطاب وفحواه والإجماع .

وأما الاستخراج : فهو القياس . قال القاضي : والأول أصح ، لأنه أعم لوجود دليل الخطاب واستصحاب الحال فيه ، وذلك حجة عندنا .

قال : ولم أذكر قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره ، لأنه مختلف فيه عن أحمد رحمه الله ، وسأذكره في باب مفرد ، هذا معنى كلام القاضي .

والضبط الذي اختاره وحكاه عن غيره كلاهما ناقص ضبط بالنسبة إلى ما ذكرناه عن الشيخ أبي إسحاق والإمام فخر الدين .

ومنهم الشيخ الإمام الأوحد نجم الدين أبو محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني الحنبلي ، ضبط مقالات أصول الفقه ضبطا حسنا محققا ، فقال :

أصول الفقه : هو العلم بأدلة الأحكام الشرعية ، ووجوه دلالتها إجمالا لا تفصيلا .

وقد اشتمل هذا الحد على ذكر العلم والأدلة والأحكام الشرعية ووجوه دلالتها ، وهي أجزاء الحد المذكور ، فوجب أن يفرد لكل جزء منها مقالة ، فاشتمل كتابنا لهذا المعنى على أربع مقالات :

المقالة الأولى : في العلم .

المقالة الثانية : في الأحكام الشرعية . [ ص: 107 ]

المقالة الثالثة : في الأدلة .

المقالة الرابعة : في وجوه دلالتها .

قال : وقدمنا النظر في العلم ، لأنه كالتمهيد لسائر المقالات ، لا يوقف عليها إلا بعد تحقيق القول في العلم . وقدمنا النظر في الأحكام على الأدلة ، لأن الدليل يراد للإيصال إلى معرفة الحكم ، والحكم يراد لذاته ، فكان تقديم ما يراد لذاته على ما يراد لغيره أولى . وقدمنا النظر في الأدلة على النظر في وجوه دلالتها ، لأنها حالة للدليل ، فكان النظر فيما له الحال مقدما على النظر في الحالة .

قال : والنظر في هذه المقالات على وجه الاستقصاء متسرب إلى جميع مسائل الأصول .

قلت : ذكر هذا في كتاب " النكت والإشارات في الأصول النظريات " وجدت منه إلى مسألة الواجب المخير .

وهذا الضبط والتقسيم على إجمال فيه ، شبيه في التلخيص والاختصار بضبط الشيخ سيف الدين الآمدي رضي الله عنهم أجمعين .

هذا الذي تهيأ لي الوقوف عليه من ضبط الناس لأصول الفقه ، وقد تكلم الناس فيه بما لم أقف عليه ، والكل موصل إلى المقصود ، لكن الكلام في أحسن الطرق إيصالا . وأخصر ما حكيناه من الطرق طريقة الآمدي ، وابن الصيقل . وأبينه وأبسطه طريقة الشيخ أبي إسحاق ، والإمام فخر الدين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث