الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مناقب عمر بن عبد العزيز

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 686 ] فصل ( مناقب عمر بن عبد العزيز )

قال : أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، ثنا عبد الله بن دينار ، قال : قال ابن عمر : يا عجبا ! يزعم الناس أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر . قال : فكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر قال : وكان بوجهه أثر ، فلم يكن هو ، وإذا هو عمر بن عبد العزيز وأمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب

وقال البيهقي : أنبأ الحاكم ، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقري ، ثنا أبو عيسى الترمذي ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا عفان بن مسلم ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع ، قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي ، فيملأ الأرض عدلا .

قال نافع من قبله : ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز .

ورواه مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يقول : ليت شعري ، من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا ؟ وقال : وهيب بن الورد : بينما أنا نائم ، رأيت كأن رجلا دخل من باب بني [ ص: 687 ] شيبة ، وهو يقول : يا أيها الناس ، ولي عليكم كتاب الله . فقلت : من ؟ فأشار إلى ظهره ، فإذا مكتوب عليه : ع م ر . قال : فجاءت بيعة عمر بن عبد العزيز وقال بقية ، عن عيسى بن أبي رزين ، حدثني الخزاعي ، عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في روضة خضراء ، فقال له : " إنك ستلي أمر أمتي فزع عن الدم ، فإن اسمك في الناس عمر بن عبد العزيز واسمك عند الله جابر " .

وقال أبو بكر بن المقري : ثنا أبو عروبة الحسين بن محمد بن مودود الحراني ، ثنا أيوب بن محمد الوزان ، ثنا ضمرة بن ربيعة ، ثنا السري بن يحيى ، عن رباح بن عبيدة ، قال : خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة ، وشيخ متوكئ على يده ، فقلت في نفسي : إن هذا الشيخ جاف ، فلما صلى ودخل لحقته ، فقلت : أصلح الله الأمير ، من الشيخ الذي كان متكئا على يدك ؟ فقال : يا رباح رأيته ؟ قلت : نعم . قال : ما أحسبك يا رباح إلا رجلا صالحا ، ذاك أخي الخضر ، أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة ، وأني سأعدل فيها .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو عمير ، ثنا ضمرة ، عن علي بن أبي حملة ، عن أبي الأعيس ، قال : كنت جالسا مع خالد بن يزيد بن معاوية ، [ ص: 688 ] فجاء شاب عليه مقطعات ، فأخذ بيد خالد ، فقال : هل علينا من عين ؟ فقال أبو الأعيس : فقلت : عليكما من الله عين بصيرة وأذن سميعة ، قال : فترقرقت عينا الفتى . فأرسل يده من يد خالد وولى ، فقلت : من هذا ؟ قال : هذا عمر بن عبد العزيز ابن أخي أمير المؤمنين ، ولئن طالت بك حياة لترينه إمام هدى . قلت : قد كان عند خالد بن يزيد بن معاوية شيء جيد من أخبار الأوائل وأقوالهم .

وقد ذكرنا في ترجمة سليمان بن عبد الملك أنه لما حضرته الوفاة عزم أن يكتب العهد باسم أحد أولاده ، فما زال به وزيره الصادق رجاء بن حيوة حتى صرفه عن ذلك ، وأشار عليه أن يجعل الأمر من بعده لأصلح الناس لهم ، فألهم الله الخليفة رشده ، فعين لها ابن عمه عمر بن عبد العزيز فجود رأيه رجاء بن حيوة وصوبه ، فكتب سليمان العهد في صحيفة ، وختمها ، ولم يشعر بذلك عمر ، ولا أحد من بني مروان سوى سليمان ورجاء ، ثم أمر صاحب الشرطة بإحضار الأمراء ، ورءوس الناس من بني مروان وغيرهم ، فبايعوا سليمان على ما في الصحيفة المختومة ، ثم انصرفوا ، ثم لما مات الخليفة استدعاهم رجاء بن حيوة فبايعوا ثانية ، قبل أن يعلموا موت الخليفة ، ثم فتحها فقرأها عليهم ، فإذا فيها البيعة لعمر بن عبد العزيز ، فأخذوه فأجلسوه على المنبر وبايعوه ، فانعقدت له البيعة .

وقد اختلف العلماء في مثل هذا الصنيع في الرجل يوصي الوصية في كتاب ويشهد على ما فيه من غير أن يقرأ على الشهود ، ثم يشهدون على ما فيه فينفذ ، [ ص: 689 ] فسوغ ذلك جماعات من أهل العلم ; قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري : أجاز ذلك وأمضاه وأنفذ الحكم به جمهور أهل الحجاز .

وروي ذلك عن سالم بن عبد الله ، وهو مذهب مالك ، ومحمد بن مسلمة المخزومي ، ومكحول ، ونمير بن أوس ، وزرعة بن إبراهيم ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، ومن وافقهم من فقهاء الشام .

وحكى نحو ذلك خالد بن يزيد بن أبي مالك ، عن أبيه وقضاة جنده ، وهو قول الليث بن سعد في من وافقه من فقهاء أهل مصر والمغرب ، وهو قول فقهاء أهل البصرة وقضاتهم .

وروي عن قتادة ، وعن سوار بن عبد الله ، وعبيد الله بن الحسين ، ومعاذ بن معاذ العنبري في من سلك سبيلهم . وأخذ بهذا عدد كثير من أصحاب الحديث ، منهم : أبو عبيد ، وإسحاق بن راهويه .

قلت : وقد اعتنى به البخاري في " صحيحه " .

قال المعافى : وأبى ذلك جماعة من فقهاء العراق ، منهم : إبراهيم ، وحماد ، والحسن ، وهو مذهب الشافعي ، وأبي ثور . قال : وهو قول شيخنا أبي جعفر ، وكان بعض أصحاب الشافعي بالعراق يذهب إلى القول الأول . قال الجريري : وإلى القول الأول نذهب . [ ص: 690 ] وتقدم أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أتي بمراكب الخلافة ليركبها ، فامتنع من ذلك ، وأنشأ يقول :


فلولا التقى ثم النهى خشية الردى لعاصيت في حب الصبا كل زاجر     قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى
له صبوة أخرى الليالي الغوابر

ثم قال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، قدموا إلي بغلتي . ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفية في من يريد ، وكانت من الخيول الجياد المثمنة ، فباعها وجعل أثمانها في بيت المال .

قالوا : فلما رجع من الجنازة ، وقد بايعه الناس ، واستقرت الخلافة باسمه ، انقلب وهو مغتم مهموم ، فقال له مولاه : ما لك هكذا مغتما مهموما ، وليس هذا بوقت هذا ؟ فقال : ويحك ! وما لي لا أغتم ، وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه ; أن أؤديه إليه ، كتب إلي في ذلك أو لم يكتب ، طلبه مني أو لم يطلب . قالوا : ثم إنه خير امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها ، وبين أن تلحق بأهلها ، فبكت وبكى جواريها لبكائها ، فسمعت ضجة في داره ، ثم اختارت مقامها معه على كل حال ، رحمها الله . وقال له رجل : تفرغ لنا يا أمير المؤمنين . فأنشأ يقول


قد جاء شغل شاغل     وعدلت عن طرق السلامه
ذهب الفراغ فلا فرا     غ لنا إلى يوم القيامه

[ ص: 691 ] وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن سلام ، عن سلام بن سليم ، قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر ، وكان أول خطبة خطبها حمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، من صحبنا فليصحبنا بخمس ، وإلا فليفارقنا ; يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ، ويعيننا على الخير بجهده ، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه ، ولا يغتابن عندنا الرعية ، ولا يعرضن فيما لا يعنيه . فانقشع عنه الشعراء والخطباء ، وثبت معه الفقهاء والزهاد ، وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله .

وقال سفيان بن عيينة : لما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاء بن حيوة وسالم بن عبد الله ، فقال لهم : قد ترون ما ابتليت به وما قد نزل بي ، فما عندكم ؟ فقال محمد بن كعب : اجعل الشيخ أبا ، والشاب أخا ، والصغير ولدا ، فبر أباك ، وصل أخاك ، وتعطف على ولدك . وقال رجاء : ارض للناس ما ترضى لنفسك ، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم ، واعلم أنك أول خليفة تموت . وقال سالم اجعل الأمر يوما واحدا صم فيه عن شهوات الدنيا ، واجعل آخر فطرك فيه الموت ، فكأن قد . فقال عمر : لا حول ولا قوة إلا بالله .

[ ص: 692 ] وقال غيره : خطب عمر بن عبد العزيز يوما الناس فقال ، وقد خنقته العبرة : أيها الناس ، أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم ، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم ، والله إن عبدا ليس بينه وبين آدم أب إلا قد مات ، إنه لمعرق له في الموت . وقال في بعض خطبه : كم من عامر مؤنق عما قليل يخرب ، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن ، فأحسنوا - رحمكم الله - من الدنيا الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة ، بينما ابن آدم في الدنيا ينافس فيها قرير العين قانعا ، إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه ، فسلبه آثاره ودنياه ، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه ، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر ، تسر قليلا ، وتحزن طويلا .

وقال إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجر ، قال : لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنه لا كتاب بعد القرآن ، ولا نبي بعد محمد ، عليه السلام ، وإني لست بقاض ولكني منفذ ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع ، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ، ألا إن الإمام الظالم هو العاصي ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [ ص: 693 ] عز وجل . وفي رواية أنه قال فيها : وإني لست بخير من أحد منكم ولكني أثقلكم حملا ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله ، ألا هل أسمعت ؟

وقال أحمد بن مروان : ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، ثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسحاق بن سليمان ، عن شعيب بن صفوان ، حدثني ابن لسعيد بن العاص ، قال : كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز حمد الله وأثنى ، عليه ثم قال : أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه ، وباع نافدا بباق ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان ؟ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيكون من بعدكم للباقين ، كذلك حتى نرد إلى خير الوارثين ؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله ، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد ، قد فارق الأحباب ، وباشر التراب ، وواجه الحساب ، فهو مرتهن بعمله ، غني عما ترك ، فقير إلى ما قدم ، فاتقوا الله قبل انقضاء مراقبته ونزول الموت بكم ، أما إني أقول هذا . ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله . وفي رواية : وايم الله ، إني لأقول قولي هذا ، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ، ولكنها سنن من الله عادلة ; أمر [ ص: 694 ] فيها بطاعته ، ونهى فيها عن معصيته . واستغفر الله ، ووضع كمه على وجهه فبكى حتى بل لحيته ، فما عاد لمجلسه حتى مات رحمه الله .

وروى أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، وهو يقول : " ادن يا عمر " . قال : فدنوت حتى خشيت أن أصيبه ، فقال : " إذا وليت فاعمل نحوا من عمل هذين " . وإذا كهلان قد اكتنفاه ، فقلت : ومن هذان ؟ قال : " هذا أبو بكر ، وهذا عمر " . وروينا أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها ، فقال له سالم : إنك لا تستطيع ذلك . قال : ولم ؟ قال : إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر ; لأنه كان يجد على الخير أعوانا ، وأنت لا تجد من يعينك على الخير .

وقد روي أنه كان نقش خاتمه : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وفي رواية : آمنت بالله . وفي رواية : الوفاء عزيز . وقد جمع يوما رءوس الناس فخطبهم ، فقال : إن فدك كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله ، ثم وليها أبو بكر ، وعمر كذلك . قال الأصمعي : وما أدري ما قال في عثمان . قال : ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب ، ووهبني الوليد وسليمان نصيبهما ، ولم يكن من مالي شيء أرد علي منها ، وقد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فيئس الناس عند [ ص: 695 ] ذلك من المظالم ، ثم أخذ أموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال ، وسماها أموال المظالم ، فاستشفعوا إليه بالناس ، وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجع فيه ولم يرده عن الحق شيء ، وقال لهم : والله لتدعني ، وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحق الناس به . وقال : والله لو أقمت فيكم خمسين عاما ما أقمت فيكم ما أريد من العدل ، وإني لأريد الأمر فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم .

وقال الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن أبيه ، عن وهب بن منبه أنه قال : إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز . ونحو هذا قال قتادة ، وسعيد بن المسيب ، وغير واحد . وقال طاوس : هو مهدي وليس به ، إنه لم يستكمل العدل كله ، إذا كان المهدي تيب على المسيء من إساءته ، وزيد المحسن في إحسانه ، سمح بالمال ، شديد على العمال ، رحيم بالمساكين ، وقال مالك ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : الخلفاء أبو بكر والعمران . فقيل له : أبو بكر وعمر قد عرفناهما ، فمن عمر الآخر ؟ قال : يوشك إن عشت أن تعرفه . يريد عمر بن عبد العزيز . وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو أشج بني مروان . وقال عباد السماك وكان يجالس [ ص: 696 ] سفيان الثوري : سمعت الثوري يقول : الخلفاء خمسة ; أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن عبد العزيز . وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش ، والشافعي ، وغير واحد . وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل ، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين . وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر ، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح : " لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " .

وقد اجتهد رحمه الله في مدة ولايته مع قصرها حتى رد المظالم ، وصرف إلى كل ذي حق حقه ، وكان مناديه في كل يوم ينادي : أين الغارمون ؟ أين الناكحون ؟ أين المساكين ؟ أين اليتامى ؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء . وقد اختلف العلماء أيهما أفضل هو أو معاوية بن أبي سفيان ؟ ففضل بعضهم عمر لسيرته ومعدلته وزهده وعبادته ، وفضل آخرون معاوية لسابقته وصحبته ، حتى قال بعضهم : ليوم شهده معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز وأيامه ، وأهل بيته .

وذكر الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك ، فكان يسألها إياها ; إما بيعا أو هبة ، فكانت تأبى عليه ذلك ، فلما ولي الخلافة ألبستها وطيبتها وأهدتها إليه [ ص: 697 ] ووهبتها له ، فلما أخلتها به أعرض عنها ، فتعرضت له فصدف عنها ، فقالت له : يا سيدي ، فأين ما كان يظهر لي من محبتك إياي ؟ فقال : والله إن محبتك لباقية كما هي ، ولكن لا حاجة لي في النساء ، فقد جاءني أمر شغلني عنك ، وعن غيرك . ثم سألها عن أصلها ، ومن أين جلبوها ، فقالت : يا أمير المؤمنين إن أبي أصاب جناية ببلاد المغرب ، فصادره موسى بن نصير فأخذت في الجناية ، وبعث بي إلى الوليد فوهبني الوليد لأخته فاطمة زوجتك ، فأهدتني إليك . فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كدنا والله نفتضح ونهلك ، ثم أمر بردها مكرمة إلى بلادها وأهلها .

وقالت زوجته فاطمة : دخلت يوما عليه وهو جالس في مصلاه واضعا خده على يده ، ودموعه تسيل على خديه ، فقلت : ما لك ؟ فقال : ويحك يا فاطمة ، إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، فتفكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والأرملة الوحيدة ، والمظلوم المقهور ، والغريب ، والأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته ، فرحمت نفسي فبكيت . وقال ميمون بن مهران ولاني عمر بن عبد العزيز عمالة ، ثم قال لي : إذا جاءك كتاب مني [ ص: 698 ] على غير الحق فاضرب به الأرض . وكتب إلى بعض عماله : إذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم ، فاذكر قدرة الله عليك ، ونفاد ما تأتي إليهم ، وبقاء ما يأتون إليك . وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن جرير بن حازم ، عن عيسى بن عاصم ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إن للإسلام سننا وشرائع وفرائض ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش أبينها لكم لتعملوا بها ، وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص . وذكره البخاري في " صحيحه " تعليقا مجزوما به .

وذكر الصولي أن عمر كتب إلى بعض عماله : عليك بتقوى الله ، فإنها هي التي لا يقبل غيرها ، ولا يرحم إلا أهلها ، ولا يثاب إلا عليها ، وإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل . وقال أيضا : من علم أن كلامه من عمله أقل منه إلا فيما ينفعه ، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير . وقال أيضا : من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه ، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . وكلمه رجل يوما حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه ، ثم قال للرجل : أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا ! قم عافاك الله ، لا حاجة لنا في مقاولتك . وكان يقول : إن أحب الأمور إلى الله القصد في الجد ، والعفو في المقدرة ، والرفق في الولاية ، [ ص: 699 ] وما رفق عبد بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة .

وخرج ابن له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم ، فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاءوا به إلى عمر ، فسمع الجلبة فخرج إليهم ، فإذا مريئة تقول : إنه ابني ، وإنه يتيم . فقال لها عمر : أله عطاء في الديوان ؟ قالت : لا ، قال : فاكتبوه في الذرية . فقالت زوجته فاطمة : فعل الله به وفعل إن لم يشج ابنك ثانية . فقال : ويحك ، إنكم أفزعتموه .

وقال مالك بن دينار يقولون : مالك زاهد . أي زهد عندي ! إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها . قالوا : ولم يكن له سوى قميص واحد فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس . وقد وقف مرة على راهب ، فقال له : ويحك عظني . فقال له : عليك بقول الشاعر


تجرد من الدنيا فإنك إنما     خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد

قالوا : فكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل .

قالوا : ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما أو فلوسا يشتري [ ص: 700 ] له بها عنبا ، فلم يجد عندها شيئا ، فقالت له : أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبا ؟ ! فقال : هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدا في نار جهنم .

قالوا : وكان سراج بيته على ثلاث قصبات في رأسهن طين . قالوا : وبعث يوما غلامه ليشوي له لحمة فجاءه بها سريعا مشوية ، فقال : أين شويتها ؟ قال : في المطبخ . فقال : في مطبخ المسلمين ؟ قال : نعم . فقال : كلها فإني لم أرزقها ، هي رزقك . وسخنوا له ماء في المطبخ العام فرد بدل ذلك بدرهم حطبا . وقالت زوجته : ما جامع ولا احتلم وهو خليفة .

قالوا : وبلغ عمر بن عبد العزيز عن أبي سلام الأسود أنه يحدث عن ثوبان في الحوض ، فبعث إليه فأحضره على البريد ، وقال له كالمتوجع : ما أردنا المشقة عليك يا أبا سلام ، ولكن أردت أن تشافهني بالحديث مشافهة . فقال : سمعت ثوبان ، يقول قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، أكاويبه عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين ، الشعث رءوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المتنعمات ، ولا تفتح لهم السدد . [ ص: 701 ] فقال عمر : لكني نكحت المتنعمات ، فاطمة بنت عبد الملك ، وفتحت لي السدد فلا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث ، ولا ألقى ثوبي حتى يتسخ .

قالوا : وكان له سراج يكتب عليه حوائجه ، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين ، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا . وكان يقرأ في المصحف كل يوم أول النهار ، ولا يطيل القراءة ، وكان له ثلاثمائة شرطي ، وثلاثمائة حرسي ، وأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فاشتمه ثم رده مع الرسول ، وقال له : قل له : قد بلغت محلها . فقال له رجل : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، وهذا رجل من أهل بيتك . فقال : إن الهدية كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية ، فأما نحن فهي لنا رشوة .

قالوا : وكان يوسع على عماله في النفقة ; يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار ، ومائتي دينار ، وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين ، فقالوا له : لو أنفقت على عيالك كما تنفق على عمالك ؟ فقال : لا أمنعهم حقا لهم ، ولا أعطيهم حق غيرهم . وكان أهله قد بقوا في جهد عظيم فاعتذر بأن معهم سلفا كثيرا من قبل ذلك ، وقال يوما لرجل من ولد علي : إني لأستحي من الله أن تقف ببابي ولا يؤذن لك . وقال لآخر منهم : إني لأستحي من الله وأرغب بك أن أدنسك بالدنيا لما أكرمكم الله به . وقال أيضا : كنا نحن وبنو عمنا بنو هاشم ، مرة لنا ومرة علينا ، نلجأ إليهم ويلجئون إلينا ، حتى [ ص: 702 ] طلعت شمس الرسالة فأكسدت كل نافق ، وأخرست كل منافق ، وأسكتت كل ناطق .

وقال أحمد بن مروان : ثنا أبو بكر أخو خطاب ، ثنا خالد بن خداش ، ثنا حماد بن زيد ، عن موسى بن أعين الراعي وكان يرعى الغنم لمحمد بن أبي عيينة قال : كانت الغنم والأسد والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد ، فعرض لشاة منها ذئب ، فقلت : إنا لله ، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك . قال : فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة . ورواه غيره عن حماد ، فقال : كان يرعى الشاة بكرمان ، فذكر نحوه . وله شاهد من وجه آخر .

ومن دعائه : اللهم إن رجالا أطاعوك فيما أمرتهم ، وانتهوا عما نهيتهم ، اللهم وإن توفيقك إياهم كان قبل طاعتهم إياك ، فوفقني . ومنه : اللهم ، إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك ، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر .

وقال له رجل : أبقاك الله ما كان البقاء خيرا لك . فقال : هذا شيء قد فرغ منه ، ولكن قل : أحياك الله حياة طيبة ، وتوفاك مع الأبرار . وقال له رجل : كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أصبحت بطيئا بطينا ، متلوثا بالخطايا ، أتمنى على الله عز وجل .

[ ص: 703 ] ودخل عليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زين ، وأنت زين الخلافة ، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين ، كما قال الشاعر :


وإذا الدر زان حسن وجوه     كان للدر حسن وجهك زينا

قال : فأعرض عنه عمر . وقال رجاء بن حيوة سمرت عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشي السراج فقلت : ألا أنبه هذا الغلام يصلحه ؟ فقال : لا ، دعه ينام . فقلت : أفلا أقوم أصلحه ؟ فقال : لا ، ليس من مروءة الرجل استخدام ضيفه . ثم قام بنفسه فأصلحه وصب فيه زيتا ، ثم جاء وقال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز وجئت وأنا عمر بن عبد العزيز وقال : أكثروا ذكر النعم فإن ذكرها شكرها . وقال : إنه ليمنعني من كثرة الكلام مخافة المباهاة . وبلغه أن رجلا من أصحابه توفي ، فجاء إلى أهله ليعزيهم فيه ، فصرخوا في وجهه بالبكاء عليه ، فقال : مه ، إن صاحبكم لم يكن يرزقكم ، وإن الذي يرزقكم حي لا يموت ، وإن صاحبكم هذا ، لم يسد شيئا من حفركم ، وإنما سد حفرة نفسه ، وإن لكل امرئ منكم حفرة لا بد والله أن يسدها ، إن الله عز وجل لما خلق الدنيا حكم عليها بالخراب وعلى أهلها بالفناء ، وما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة ، ولا اجتمعوا إلا تفرقوا ، حتى يكون الله هو الذي يرث الأرض ومن عليها ، فمن كان منكم باكيا فليبك على نفسه ، فإن الذي صار إليه [ ص: 704 ] صاحبكم ، كلكم يصير إليه غدا .

وقال ميمون بن مهران خرجت مع عمر إلى القبور ، فقال لي : يا أبا أيوب ، هذه قبور آبائي بني أمية ، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم ، أما تراهم صرعى قد خلت فيهم المثلات ، واستحكم فيهم البلاء ؟ ثم بكى حتى غشي عليه ، ثم أفاق ، فقال : انطلقوا بنا فوالله لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور ، وقد أمن من عذاب الله .

وقال غيره : خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة ، فلما دفنت قال لأصحابه : قفوا حتى آتي قبور الأحبة . فأتاهم فجعل يبكي ويدعو ، إذ هتف به التراب ، فقال : يا عمر ألا تسألني ما فعلت في الأحبة ؟ قال : قلت : وما فعلت بهم ؟ قال : مزقت الأكفان ، وأكلت اللحوم ، وشدخت المقلتين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت الكفين من الساعدين ، والساعدين من العضدين ، والعضدين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب وعمر يبكي . فلما أراد أن يذهب قال له : يا عمر ، ألا أدلك على أكفان لا تبلى ؟ قال : وما هي ؟ قال : تقوى الله ، والعمل الصالح .

وقال مرة لرجل من جلسائه : لقد أرقت الليلة مفكرا . قال : وفيم يا أمير [ ص: 705 ] المؤمنين ؟ قال : في القبر وساكنه ، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ، ويجري فيه الصديد ، وتخترقه الديدان ، مع تغير الريح ، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة ، وطيب الريح ، ونقاء الثوب . قال : ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه .

وقال مقاتل بن حيان : صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ وقفوهم إنهم مسئولون فجعل يكررها وما يستطيع أن يجاوزها . وقالت امرأته فاطمة : ما رأيت أحدا أكثر صلاة وصياما منه ، ولا أحدا أشد فرقا من ربه منه ، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عينه ، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عينه . قالت : ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة ; فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء ، ويجلس يبكي ، فأطرح عليه اللحاف رحمة له ، وأنا أقول : يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين ، فوالله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها .

وقال علي بن زيد : ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن ، وعمر بن عبد العزيز . وقال بعضهم : رأيته يبكي حتى بكى دما . قالوا : وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام [ الأعراف : 54 ] الآية . [ ص: 706 ] ويقرأ : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ونحو هذه الآيات ، وكان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت والآخرة ، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة .

وقال أبو بكر الصولي عن المبرد كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر :


فما تزود مما كان يجمعه     سوى حنوط غداة البين في خرق
وغير نفحة أعواد تشب له     وقل ذلك من زاد لمنطلق
بأيما بلد كانت منيته     إن لا يسر طائعا في قصدها يسق

ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة ، إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس ، وانحازوا إلى الظل ، فبكى وأنشد :


من كان حين تصيب الشمس جبهته     أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته     فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في قعر مظلمة غبراء موحشة     يطيل في قعرها تحت الثرى لبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به     يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

وقال المفضل بن غسان الغلابي : كان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه [ ص: 707 ] من هذا البيت :


ولا خير في عيش امرئ لم يكن له     من الله في دار القرار نصيب

وزاد غيره معه بيتا حسنا ، وهو قوله :


فإن تعجب الدنيا أناسا فإنها     متاع قليل والزوال قريب

ومن شعره الذي أنشده ابن الجوزي :


أنا ميت وعز من لا يموت     قد تيقنت أنني سأموت
ليس ملك يزيله الموت ملكا     إنما الملك ملك من لا يموت

وقال عبد الله بن المبارك : كان عمر بن عبد العزيز يقول :


تسر بما يبلى وتفرح بالمنى     كما اغتر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة     وليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبه     كذلك في الدنيا تعيش البهائم

وقال محمد بن كثير : قال عمر بن عبد العزيز يلوم نفسه ويعاتبها :


أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم     وكيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرقت     مدامع عينيك الدموع السواجم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة     وليلك نوم والردى لك لازم
بل اصبحت في النوم الطويل وقد دنت     إليك أمور مفظعات عظائم
وشغلك فيما سوف تكره غبه     كذلك في الدنيا تعيش البهائم

[ ص: 708 ] وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك ، قالت : انتبه عمر ذات ليلة ، وهو يقول : لقد رأيت رؤيا معجبة . فقلت : أخبرني بها . فقال : حتى نصبح . فلما صلى الصبح بالمسلمين دخل فسألته عنها ، فقال : رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر ، وإذا فيها قصر كأنه الفضة ، فخرج منه خارج فنادى : أين محمد بن عبد الله ؟ أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل ذلك القصر ، ثم خرج آخر فنادى : أين أبو بكر الصديق ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عمر بن الخطاب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عثمان بن عفان ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين علي بن أبي طالب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى : أين عمر بن عبد العزيز ؟ فقمت - فدخلت فجلست إلى جانب أبي عمر بن الخطاب ، وهو عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر عن يمينه ، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ، فقلت لأبي : من هذا ؟ قال : هذا عيسى بن مريم . ثم سمعت هاتفا يهتف ، بيني وبينه نور لا أراه ، وهو يقول : [ ص: 709 ] يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه ، واثبت على ما أنت عليه . قال : ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت ، فالتفت فإذا عثمان بن عفان وهو خارج من القصر ، وهو يقول : الحمد لله الذي نصرني ربي ، وإذا علي في إثره ، وهو يقول : الحمد لله الذي غفر لي ربي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث