الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وابتداء دولة بني العباس من الأخبار النبوية وغيرها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وابتداء دولة بني العباس من الأخبار النبوية وغيرها

قال العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا . ورواه الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد مرفوعا بنحوه .

[ ص: 267 ] وروى ابن لهيعة ، عن أبي قبيل عن ابن موهب أنه كان عند معاوية فدخل عليه مروان بن الحكم ، فكلمه في حاجة ، فقال : اقض حاجتي فإني لأبو عشرة ، وعم عشرة وأخو عشرة . فلما أدبر مروان قال معاوية ، لابن عباس وهو معه على السرير : أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا ، وعباد الله خولا ، وكتاب الله دغلا ، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة ، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة ؟ فقال ابن عباس : اللهم نعم . قال : وذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها ، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية : أنشدك بالله يا ابن عباس ، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال : " أبو الجبابرة الأربعة " ؟ فقال ابن عباس : اللهم نعم .

وقال أبو داود الطيالسى : حدثنا القاسم بن الفضل ، ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال : قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال : يا مسود وجوه المؤمنين . فقال الحسن : لا تؤنبني رحمك الله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا ، فساءه ذلك ، فنزلت : إنا أعطيناك الكوثر [ الكوثر : 1 ] . وهو نهر في الجنة ، ونزلت : إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر [ ص: 268 ] [ القدر : 1 - 3 ] يملكه بنو أمية . قال : فحسبنا ذلك ، فإذا هو كما قال ، لا يزيد يوما ولا ينقص . وقد رواه الترمذي ، عن محمود بن غيلان ، عن أبي داود الطيالسي ، ثم قال : غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة ، وثقه يحيى القطان وابن مهدي . قال : وشيخه يوسف بن سعد ويقال : يوسف بن مازن . رجل مجهول ، ولا يعرف هذا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه . وأخرجه الحاكم في " مستدركه " من حديث القاسم بن الفضل الحداني ، وقد تكلمت على نكارة هذا الحديث في " التفسير " بكلام مبسوط ، ولله الحمد والمنة ، وإنما يتجه أن يكون دولة بني أمية ألف شهر ، إذا أسقط منها أيام عبد الله بن الزبير ، وذلك أن معاوية بويع له مستقلا بالملك في سنة أربعين ، وهي عام الجماعة حين سلم إليه الحسن بن علي الأمر بعد ستة أشهر من قتل علي ثم زالت الخلافة عن بني أمية في هذه السنة ، أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائة ، وذلك ثنتان وتسعون سنة ، وإذا أسقط منها تسع سنين بقي ثلاث وثمانون سنة ، وهي مقاربة لما ورد في هذا الحديث ، ولكن ليس هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا ، وإنما هذا من بعض الرواة ، وقد تكلمنا على ذلك مطولا في " التفسير " ، وتقدم في الدلائل أيضا تقريره . والله أعلم .

[ ص: 269 ] وقال علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد ، عن سفيان الثوري ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت بني أمية يصعدون منبري ، فشق ذلك علي ، فأنزلت : " إنا أنزلناه في ليلة القدر " . فيه ضعف وإرسال .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا يحيى بن معين ، ثنا عبد الله بن نمير ، عن سفيان الثوري ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب في قوله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء : 60 ] قال : رأى ناسا من بني أمية على المنابر ، فساءه ذلك ، فقيل له : إنما هي دنيا يعطونها . فسري عنه .

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فلانا ، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس ، فشق ذلك عليه ، فأنزل الله تعالى : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين [ الأنبياء : 111 ] يقول : هذا الملك فتنة لكم ومتاع إلى حين .

وقال مالك بن دينار سمعت أبا الجوزاء يقول : والله ليغيرن الله ملك [ ص: 270 ] بني أمية كما غير ملك من كان قبلهم ، ثم قرأ قوله تعالى : وتلك الأيام نداولها بين الناس [ آل عمران : 140 ] فيه ضعف وإرسال .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثني إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبو أسامة ، ثنا عمر بن حمزة أخبرني عمر بن سيف ، مولى لعثمان بن عفان قال : سمعت سعيد بن المسيب وهو يقول لأبي بكر بن عبد الرحمن ، ولأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة - وذكروا بني أمية - فقال : لا يكون هلاكهم إلا بينهم . قالوا : كيف ؟ قال : يهلك خلفاؤهم ، ويبقى شرارهم ، فيتنافسونها ، ثم يكثر الناس عليهم فيهلكونهم .

وقال يعقوب بن سفيان : أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي ، ثنا الزنجي ، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت في النوم بني الحكم - أو بني أبي العاص - ينزون على منبري كما تنزو القردة . قال : فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي .

قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد ، عن علي بن الحكم البناني ، عن [ ص: 271 ] أبي الحسن ، هو الحمصي ، عن عمرو بن مرة ، وكانت له صحبة ، قال : جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرف كلامه ، فقال : ائذنوا له ، حية أو ولد حية ، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين ، وقليل ما هم ، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة ، ذوو مكر وخديعة ، يعظمون في الدنيا ، وما لهم في الآخرة من خلاق .

وقال أبو بكر الخطيب البغدادي : أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد ، أنبأ محمد بن المظفر الحافظ ، أنبأ أبو القاسم عامر بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقي ، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاس ، ثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد مولى أم الحكم بنت عبد العزيز ، أخت عمر بن عبد العزيز ، حدثنا يزيد بن ربيعة ، حدثنا أبو الأشعث الصنعاني ، عن ثوبان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما واضعا رأسه على فخذ أم حبيبة بنت أبي سفيان فنحب ثم تبسم ، فقالوا : يا رسول الله ، رأيناك نحبت ثم تبسمت . فقال : رأيت بني مروان يتعاورون على منبري ، فساءني ذلك ، ثم رأيت بني العباس يتعاورون على منبري ، فسرني ذلك .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثني محمد بن خالد بن العباس ، ثنا الوليد بن [ ص: 272 ] مسلم ، حدثني أبو عبد الله ، عن الوليد بن هشام المعيطي ، عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال : قدم ابن عباس على معاوية وأنا حاضر ، فأجازه فأحسن جائزته ، ثم قال : يا أبا العباس ، هل تكون لكم دولة ؟ فقال : أعفني يا أمير المؤمنين . فقال : لتخبرني . قال : نعم . قال : فمن أنصاركم ؟ قال : أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم نطحات .

وقال المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، سمعت ابن عباس يقول : يكون منا ثلاثة أهل البيت : السفاح ، والمنصور ، والمهدي . رواه البيهقي من غير وجه . ورواه الأعمش ، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا .

وروى ابن أبي خيثمة عن ابن معين ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس قال : كما افتتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا . وهذا إسناد صحيح إليه ، وكذا وقع ويقع إن شاء الله .

وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن ، يقال له : السفاح . يعطي المال حثيا .

وقال عبد الرزاق : حدثنا الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة عن [ ص: 273 ] أبي أسماء ، عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقتتل عند كنزكم هذه ثلاثة ، كلهم ولد خليفة ، لا تصير إلى واحد منهم ، ثم تقبل الرايات السود من خراسان ، فيقتلونكم مقتلة لم ير مثلها - ثم ذكر شيئا - فإذا كان ذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج ، فإنه خليفة الله المهدي . ورواه بعضهم عن ثوبان فوقفه ، وهو أشبه . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثني يحيى بن غيلان ، وقتيبة بن سعيد قالا : ثنا رشدين بن سعد ، حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن قبيصة هو ابن ذؤيب ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يخرج من خراسان رايات سود ، لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء . وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث رشدين بن سعد المصري وهو ضعيف . ثم قال : وقد روي قريب من هذا عن كعب الأحبار ، وهو أشبه .

ثم قال من طريق يعقوب بن سفيان : حدثنا محدث ، عن أبي المغيرة عبد القدوس عن ابن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال : تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام ، ويقتل الله على أيديهم كل جبار [ ص: 274 ] وعدو لهم .

وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل عن ابن أبي أويس عن ابن أبي فديك ، عن محمد بن عبد الرحمن العامري ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس : فيكم النبوة وفيكم المملكة .

وقال عبد الله بن أحمد : عن ابن معين ، عن عبيد بن أبي قرة ، عن الليث ، عن أبي قبيل ، عن أبي ميسرة مولى العباس ، قال : سمعت العباس يقول كنت : عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال : انظر هل ترى في السماء من شيء ؟ قلت : نعم . قال : ما ترى ؟ قلت : الثريا . قال : أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك . قال البخاري : عبيد بن أبي قرة لا يتابع على حديثه .

وروى ابن عدي من طريق سويد بن سعيد ، عن حجاج بن تميم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس قال : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل وأنا أظنه دحية الكلبي فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لوسخ الثياب ، وسيلبس ولده من بعده السواد . وهذا منكر من هذا الوجه ، ولا شك أن شعار بني العباس كان السواد ، وأخذوا ذلك من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه [ ص: 275 ] عمامة سوداء ، فتيمنوا بذلك ، وجعلوه شعارهم في الجمع والخطب والأعياد والمحافل ، وكذلك كان جندهم لا بد أن يكون على أحدهم شيء من السواد ، ومن ذلك ما يلبسه الملوك للأمراء حين يخلع عليهم بالإمرة ، لا بد وأن يلبس شيئا من السواد وهو الشربوش ، وكذلك دخل عبد الله بن علي يوم دخل دمشق وهو لابس السواد ، فجعل النساء والصبيان يعجبون من لباسه ، وكان دخوله من باب كيسان ، وقد خطب بالناس يوم الجمعة وصلى بهم وعليه السواد .

وقد روى الحافظ ابن عساكر عن بعض الخراسانيين قال : لما خطب بالناس عبد الله بن علي بدمشق وتقدم بالناس فصلى ; صلى رجل إلى جانبي ، فقال : الله أكبر ، سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . ثم قال ، ونظر إلى عبد الله بن علي : ما أقبح وجهك وأشنع سوادك ! وما زال السواد شعارهم إلى يومك هذا ، كما يلبسه الخطباء يوم الجمعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث