الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الوسيلة الثانية : تمييز النجس من غيره .

والعالم إما جماد ، أو نبات ، أو حيوان ، وفي الجواهر ، والأولان طاهران إلا المسكرات للإسكار لأنها مطلوبة الإبعاد ، والقول بتنجيسها يفضي إلى إبعادها ، والمفضي إلى المطلوب مطلوب . والحيوان فيه أربعة فصول : الأول : في أقسامه ، والثاني : في أجزائه ، والثالث : فيما ينفصل عنه ، والرابع : فيما يلابسه .

الفصل الأول : في أقسامه ، وهي خمسة :

الأول : وفي الجواهر : الحي كله طاهر عملا بالأصل ، ولأن الحياة علة الطهارة عملا بالدوران في الأنعام ، فإنها حال حياتها حية طاهرة ، وحال موتها ليست حية ، ولا طاهرة ، والدوران دليل عليه المدار الدائر ، فيلحق به محل النزاع كالكلب ، والخنزير ، ونحوهما .

فإن قيل : الأنعام المذكاة طاهرة ، فبطل الدوران .

قلنا : علل الشرع تخلف بعضها ، والذكاة علة مطهرة إجماعا .

الثاني : قال : الميتة حتف أنفها كلها نجسة لاشتمالها على الفضلات المستقذرة إلا ميتة البحر لقوله عليه السلام في الموطأ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته . والحل دليل الطهارة .

الثالث : قال : ميتة ما ليست له نفس سائلة طاهرة لعدم الدم منه الذي هو علة الاستقذار لقوله عليه السلام في البخاري إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ، فليغمسه كله ، ثم ليطرحه .

ولو كان ينجس بالموت مع أن الغالب موته لكان [ ص: 180 ] عليه السلام أمر بإفساد الطعام ، وقال أشهب والشافعي رحمهما الله : ينجس ، لأن الموت عندهما علة التنجيس دون احتقان الدم لقلته ، ووافقناهم على أن الأنعام إذا قطعت من أوساطها ، وخرجت دماؤها أنها نجست بالموت مع انتفاء الدم ، فإذا استدللنا نحن بالذكاة احتجوا بهذه الصورة وجوابنا عنه أن الشرع لم يسلطنا على الحيوان إلا بشرط انتفاعنا به ، وأن نسلك أقرب الطرق في ذلك ، وأقرب الطرق هو الذكاة في الموضع المخصوص ، فمن عدل عنه لم يرتب الشرع على فعله أثرا ، فسوى بين هذه الصورة ، وبين التي احتقنت فيها الفضلات زجرا له .

فرعان :

الأول : للمازري في شرح التلقين ألحق ابن القصار البرغوث بما له نفس سائلة لوجود الدم فيه ، وألحقه سحنون بما لا نفس له ، وألحق أبو حنيفة البعوض بالجراد مع وجود الدم فيه ، ومنشأ الخلاف النظر إلى أصالة الدم ، أو طروه .

الثاني : من الطراز : إذا مات البرغوث ، أو القملة في الطعام ألحقه ابن القصار بما له نفس ، وخالفه سحنون ، وابن عبد البر ، هذا إذا لم يكن فيهما دم ، فإن كان وافق ابن عبد البر ابن القصار في التنجيس ، وأكثر أصحابنا يقولون لا يؤكل طعام مات فيه أحدهما لأن عيشهما من دم الحيوان ، ومنهم من قضى بنجاسة القملة لكونها من الإنسان تخلق بخلاف البرغوث ، فإنه من التراب ، ولأنه وثاب ، فيعسر الاحتراز منه .

كشف : للنفس ثلاثة معان : يقال لذات الشيء نحو جاء زيد نفسه ، وللروح كقوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) . وللدم كقول ابن دريد :


خير النفوس السائلات جهرة على ظباة المرهفات والقنا



ومنه سميت النفساء لخروج الدم منها .

[ ص: 181 ] فقول العلماء : ما ليست له نفس سائلة احتراز من الأولين ، وإلا فكل دم يسيل ، فلا معنى للتقييد حينئذ .

الرابع : الآدمي إذا مات طاهرا على أحد القولين لأن الأمر بغسله وإكرامه يأبى تنجيسه إذ لا معنى لغسل الميتة التي هي بمنزلة العذرة ، ولما في الموطأ أنه عليه السلام صلى على سهل بن بيضاء في المسجد ، ولو كان نجسا ما فعل عليه السلام ذلك .

الخامس : الكلب . في الجواهر : أطلق سحنون ، وعبد الملك عليه التنجيس ، وكذلك الخنزير إما لنجاسة عينهما ، وإما لملابستهما النجاسة ، فيرجع إلى نجاسة السؤر ، وقد قال عليه السلام في الموطأ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ، فليغسله سبعا .

ومن هذا الحديث تتخرج فروع المذهب ، فنذكرها في أثناء فقهه ، و الكلام على ألفاظه ، فنقول :

قوله إذا ولغ : هل يختص بالماء عملا بالغالب ، أو يعم الماء والطعام لحصول السبب في الجميع . قولان .

وقوله : الكلب هل يختص بالمنهي عن اتخاذه ، فتكون اللام للعهد ، أو يعم الكلاب لعموم السبب . قولان .

وإذا قلنا بالعموم ، فولغ في الإناء جماعة كلاب ، أو كلب مرارا هل تتداخل مسببات الأسباب كالأحداث ، أو يغسل لكل كلب سبعا ، وللكلب كذلك قولان .

وقوله : فليغسله هل يحمل على الندب أو الوجوب . قولان إما لأن الأمر للوجوب لكن هاهنا قرائن صرفته عنه ، وإما للخلاف في صيغة الأمر ، وهل هذا الأمر تعبد لتقييده بالعدد كغسل الميت ، ودلالة الدليل على طهارة الحيوان كما تقدم ، أو هو معلل بدفع مفسدة الكلب عن بني آدم لأن الكلب في أول مباشرة [ ص: 182 ] الماء يعلق لعابه بالإناء ، وهو سم ، ويؤكد ذلك أمره عليه السلام في بعض الطرق باستعمال التراب لزوال اللزوجة الحاملة للسم ، وأما عدد السبع ، فمناسب بخصوصية لدفع السموم والأسقام قال عليه السلام في مرضه : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن .

وقال عليه السلام : من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر .

ولذلك أمر بالرقى سبعا في قوله : أعوذ بعزة الله وعظمته وقدرته من شر ما نجد .

وإذا جاء أمر الله سلام من الله ، والحمد لله .

أو هو معلل بنجاسته لقوله عليه السلام : طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا .

والطهارة ظاهرة في النجاسة .

ويخرج على هذا هل يغسل بالماء الذي في الإناء لطهارته ، أو لا يغسل لنجاسته ؟ قولان ، وهل يؤكل الطعام أو يطرح ؟ قولان ، وهل يمتنع القياس على الكلب لأنه تعبد ، أو يلحق به الخنزير بجامع الاستقذار ؟ قولان ، وهل هذا الأمر على الفور لأنه تعبد ، والعبادات لا تؤخر ، أو لا يتعين غسله إلا عند إرادته استعماله بناء على نجاسته ؟ قولان ، واختار عبد الحق وسند التأخير .

فروع أربعة : من الطراز .

الأول : الأمر بالغسل مختص بالإناء ، فلو ولغ من حوض ، أو نهر لا يتعدى الحكم إليه لأنه تعبد .

الثاني : الحكم مختص بولوغه ، فلو أدخل يده ، أو رجله ، فلا أثر لذلك خلافا ش .

الثالث : إذا استعمل الإناء في الماء القليل قبل غسله هل يعتد به ، أو يغسل سبعا بعد ذلك ، يتخرج على اشتراط النية في غسله قال الباجي : لا [ ص: 183 ] تشترط ، ويحتمل أن تشترط قياسا على اشتراطها في النضح ، ويحتمل الفرق ، فإن الغسل مما يزيل اللعاب ، والنضح لا يزيل شيئا ، فكان تعبدا بخلاف إناء الكلب .

الرابع : هل يشترط الدلك قياسا على الوضوء لجامع التعبد به ، أو لا يشترط ، ويكفي إمرار الماء عليه ليس في ذلك نص ، ويحتمل ألا يشترط لأن غسله خرج عن المتعارف ، وإمرار الماء قد يسمى غسلا ، وقد قدمت المشهور عن مالك - رحمه الله - في حكاية الخلاف على العادة في الكتاب .

تحقيق : قال في الكتاب : وقد كان يضعفه ، وقال : قد جاء هذا الحديث ، وما أدري ما حقيقته .

من التنبيهات : قيل يضعف العمل به تقديما للكتاب والقياس عليه لأن الله تعالى أباح أكل ما أمسك الكلاب عليه ، ولم يشترط غسلا ، والقياس على سائر الحيوان ، وقيل يضعف العدد ، وقيل إيجابه للغسل ، وهو معنى قوله : وما أدري ما حقيقته أي ما المراد به من الحكم .

ويقال : ولغ يلغ بالفتح فيهما .

من الطراز : يضعف علة الحكم حتى يقاس عليه الخنزير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث