الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر سبب خلع محمد الأمين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون

لما أصبح الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان ولم يذهب إلى الأمين لما طلبه ، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الرقة قام في الناس خطيبا وألبهم على الأمين ، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي ، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله ، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس ، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه ، وندبهم لذلك ، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير ، وبعث محمد الأمين إليه خيلا ، فاقتتلوا مليا من النهار ، فأمر الحسين [ ص: 89 ] أصحابه أن يترجلوا إلى الأرض وأن يقاتلوا بالسيوف والرماح ، فانهزم جيش الأمين ، وخلع محمدا الأمين ، وذلك يوم الأحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة ، وأخذ البيعة من الغد لعبد الله المأمون ولما كان يوم الثلاثاء نقل الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد وضيق عليه وقيده واضطهده ، وأمر العباس بن موسى بن عيسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هنالك فامتنعت فقنعها بالسوط ، وقهرها على الانتقال ، فانتقلت مع أولادها ، فلما أصبح الناس يوم الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه ، وصار أهل بغداد فرقتين ؛ فرقة مع الخليفة وفرقة عليه ، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك ، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه ، ودخلوا به على الخليفة ، ففكوا عنه قيوده ، وأجلسوه على السرير ، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن ، فانتهب الناس خزائن السلاح بسبب ذلك ، وأتي الأمين بالحسين بن علي بن عيسى ، فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك ، فعفا عنه ، وخلع عليه ، واستوزره ، وأعطاه الخاتم ، وولاه ما وراء بابه ، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان فلما وصل إلى الجسر هرب في خدمه وحاشيته ، فبعث إليه الأمين من يرده ، فركبت الخيول وراءه فأدركوه ، فقاتلهم وقاتلوه ، [ ص: 90 ] فقتلوه لمنتصف رجب ، وجاءوا برأسه إلى الأمين ، وجدد الناس بيعة الأمين يوم الجمعة . ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب ، واستحوذ طاهر بن الحسين نائب المأمون على أكثر البلاد ، واستناب بها النواب ، من جهة المأمون وخلعت أكثر الأقاليم الأمين ، وبايعوا المأمون وتدنى طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها ، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل ، وغير ذلك ، ولم يبق مع الأمين من البلاد إلا القليل .

وفي شعبان منها عقد محمد الأمين أربعمائة لواء ، مع كل لواء أمير ، وبعثهم لقتال هرثمة بن أعين فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة ، وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك ، وبعث به إلى المأمون وهرب جماعة من جند طاهر ، نحو من خمسة آلاف ، فساروا إلى الأمين ببغداد فأعطاهم أموالا كثيرة ، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية ، فسموا جيش الغالية . ثم ندبهم الأمين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم ، وفرق شملهم ، وأخذ ما كان معهم . واقترب من بغداد فحاصرها ، وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا ، ثم وقع بين الجيش ، وسعت الأصاغر على الأكابر ، [ ص: 91 ] واختلفوا على الأمين في سادس ذي الحجة ، فقال بعض البغاددة :


قل لأمين الله في نفسه ما شتت الجند سوى الغاليه     وطاهر نفسي تقي طاهرا
برسله والعدة الكافيه     أضحى زمام الملك في كفه
مقاتلا للفئة الباغيه     يا ناكثا أسلمه نكثه
عيوبه في جيشه فاشيه     قد جاءك الليث بشداته
مستكلبا في أسد ضاريه     فاهرب ولا مهرب من مثله
إلا إلى النار أو الهاويه

فتفرق على الأمين شمله ، وحار في أمره ، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه ، فنزل على باب الأنبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، واشتد الحال على أهل البلد ، وأخذت الدعار والشطار أهل الصلاح ، وخربت الديار ، وثارت الفتنة بين الناس حتى قاتل الأخ أخاه ، والابن أباه .

وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي ، من قبل طاهر ، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة [ ص: 92 ] النبوية ، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون بالخلافة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث