الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المطلب الخامس

مكامن العفو

تمهيد

تبين لنا طلب الله تعالى منا إنفاق " العفو " .. فأين يوجد " العفو " ، ويكمن؟ وفي أي القطاعات يتولد؟ وهل يوجد في إمكان معين، أم نجده في مختلف الإمكانات التي يملكها الإنسان؟

إن تجلية هـذه التساؤلات، والإجابات عنها، هـي ما يهدف إليه هـذا المطلب.

والحقيقة أن مكامن " العفو " كثيرة، وحيثما يوجد المسلم، يوجد نوع من العفو، يمكن بذله في تحقيق النفع والخير للمجتمع وأفراده.. فليس " العفو " موجودا عند الأغنياء أصحاب المال فقط، ولكنه موجود عند كل إنسان، غنيا كان أو فقيرا، فالغني لديه فضل ماله، يفعل به الخير، والفقير لديه فضل جهده، وقلبه، ولسانه، يفعل بها الخير، ويقدم منها " العفو " .

ولقد ظن بعض الصحابة أن " العفو " هـو العفو المالي، فغبطوا الأغنياء، ورأوا أن إمكانياتهم المالية، تمكنهم من السبق إلى الخير، والتقدم على الفقراء، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور. لكنه صلى الله عليه وسلم ، صحح لهم هـذا الفهم، وبين لهم المدى الواسع الذي ينتشر عليه " العفو " ، وأنه موجود لدى كل إنسان [ ص: 68 ] بقدر ما، وأن كل مسلم، يستطيع أن يفعل الخير، وينافس أصحاب المال في السبق، باستخدام ما لديه من إمكانيات، تجعله محل رضوان الله تعالى، فالخير ليست وسيلته المال فقط، بل كل نفع للناس، أيا كانت أداته، فهو من عمل الخير، وقال لهم: ( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ) [1] .

وعن أبي هـريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع في الشمس: تعدل بين الإثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) [2] .

ومفردات هـذا الباب كثيرة غير منحصرة، حتى إن الإنسان إن عجز عن أي فعل إيجابي يثري به الحياة، فإن له في الكف عن الشر بابا يلج منه إلى نفع المجتمع، ونفع نفسه... ( قلت يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل، قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك ) [3] [ ص: 69 ]

إن المهم هـو أن يكتشف المسلم ما لديه من إمكانيات وطاقات، وأن يستقر في نفسه واجب البذل والعطاء منها، تكليفا يتجدد طلوع الشمس كل يوم. فمكامن " العفو " كثيرة، وهي على كثرتها، يمكن إجمالها في ثلاثة مجالات:

1- العفو من الجهد البشري.

2- العفو من المال العيني.

3- العفو من المال النقدي.

وهي باتساعها وشمولها تحرك كل الأفراد، وتستنفر كل الطاقات، لتصب كلها في مجرى فعل الخير، وتتكاتف الإمكانيات المالية مع الإمكانيات البشرية - عقلية وعضلية ونفسية وروحية - من أجل الإسهام في بناء المجتمع المتكافل، الذي يمثل كل فرد فيه لبنة قوية في بناء متين، ويقف في موقعه سندا لعمليات البناء والتعمير، يحاول قدر طاقته أن يكون مصدر عطاء ونفع للآخرين، قبل أن يكون جهة استفادة منهم، ( فاليد العليا خير من اليد السفلى ) [4] ، ومهما يبلغ به العجز، فلا ينبغي أن يعجز عن كف شره عن المجتمع والناس، والمسلم مدفوع إلى هـذا السلوك من منطلق الحرص على المصلحة الشخصية، فهو مع مثاليته الواضحة، عملي ومصلحي أيضا، فهو يبذل للمجتمع من إمكانياته المادية، والنفسية، والروحية، والعقلية، والعضلية، ليحقق منفعته في الدنيا والآخرة، منطلقا في ذلك من عقيدته، التي تقوم على أن ما يقدمه من نفع للمجتمع والناس، إنما يعود نفعه إليه. يقرر الله سبحانه هـذه الحقيقة فيقول: ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا [ ص: 70 ] ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) [البقرة:272] ويقول: ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) [البقرة:245]

ويقول: ( من عمل صالحا فلنفسه ) [فصلت:46]

( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) [الروم:44].

وعلى ضوء هـذا الشمول والاتساع لميادين " العفو " ، سنحاول الإلمام بمدى كل مجال من المجالات الثلاثة، التي قسمنا إليها مكامن " العفو " ، وذلك فيما يلي:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث