الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها

جزء التالي صفحة
السابق

باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها

قال : ( وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة وفي الجامع الصغير : وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به وضمن السرقة ) والأصل فيه أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم خلافا للشافعي رحمه الله .

هو يعتبرها بحقوق العباد وبالإقرار الذي هو إحدى الحجتين .

ولنا أن الشاهد مخير بين حسبتين : أداء الشهادة والستر ، فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حركته فيتهم فيها ، وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقا آثما فتيقنا بالمانع ، بخلاف الإقرار ; لأن الإنسان لا يعادي نفسه فحد الزنا وشرب الخمر والسرقة خالص حق [ ص: 149 ] الله تعالى حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار فيكون التقادم فيه مانعا ، وحد القذف فيه حق العبد لما فيه من دفع العار عنه ، ولهذا لا يصح رجوعه بعد الإقرار ، والتقادم غير مانع في حقوق العباد ، ولأن الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى ، فلا يوجب تفسيقهم بخلاف حد السرقة ، لأن الدعوى ليست بشرط للحد لأنه خالص حق الله تعالى على ما مر ، وإنما شرطت للمال ولأن الحكم يدار على كون الحد حقا لله تعالى فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد ، ولأن السرقة تقام على الاستسرار على غرة من المالك ، فيجب على الشاهد إعلامه ، وبالكتمان يصير فاسقا آثما ، ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء عندنا خلافا لزفر رحمه الله ، حتى لو هرب بعدما ضرب بعض الحد ، ثم أخذ بعدما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد ، لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود .

واختلفوا في حد التقادم وأشار في الجامع الصغير إلى ستة أشهر فإنه قال بعد حين ، وهكذا أشار الطحاوي ، وأبو حنيفة رحمه الله لم يقدر على ذلك وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر .

وعن محمد رحمه الله أنه قدره بشهر ، لأن ما دونه عاجل وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وهو الأصح ، وهذا إذا لم يكن بين القاضي وبينهم مسيرة شهر ، أما إذا كان تقبل شهادتهم لأن المانع بعدهم عن الإمام فلا تتحقق التهمة ، والتقادم في حد الشرب كذلك عند محمد رحمه الله ، وعندهما يقدر بزوال الرائحة على ما [ ص: 150 ] يأتي في بابه إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


باب الشهادة على الزنا خال قوله : وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا ، لأنهم قذفة قلت : فيه أثر رواه الإمام القاسم بن ثابت السرقسطي في " كتاب غريب الحديث " حدثنا إبراهيم بن حميد ثنا أبو الحسن ثنا الفضل بن دكين ثنا الوليد ثنا أبو الطفيل ، قال : أقبل رهط معهم امرأة حتى نزلوا مكة ، فخرجوا لحوائجهم ، وتخلف رجل مع المرأة ، فلما رجعوا وجدوه بين [ ص: 149 ] رجليها ، وعلى مكة يومئذ نافع بن عبد الحارث الخزاعي ، فشهد ثلاثة منهم أنهم رأوه يهب فيها ، كما يهب المرود في المكحلة وقال الرابع : لم أر المرود في المكحلة ، ولكن رأيت استه يضرب استها ، ورجلاها عليه ، كأذني الحمار ، فكتب نافع إلى عمر ، فكتب إليه عمر : إن شهد الرابع بما شهد الثلاثة فارجمهما ، إن كانا أحصنا ، وإلا فاجلدهما ، وإن لم يشهد إلا بما قال ، فاجلد الشهود الثلاثة ، وخل سبيل المرأة انتهى .

وقال : الهب الاهتزاز .

[ ص: 150 ] أثر آخر :

أخرجه الحاكم في " المستدرك في فضائل المغيرة بن شعبة " عن أبي عتاب سهل بن حماد ثنا أبو كعب صاحب الحرير عن عبد العزيز بن أبي بكرة ، قال : كنا جلوسا عند باب الصغير الذي في المسجد أبو بكرة ، وأخوه نافع ، وشبل بن معبد فجاء المغيرة بن شعبة يمشي في ظلال المسجد والمسجد يومئذ من قصب ، والمغيرة يومئذ أمير البصرة ، أمره عليها عمر بن الخطاب فانتهى إلى أبي بكرة ، فسلم عليه ، فقال له أبو بكرة : أيها الأمير ليس لك ذلك ، اجلس في بيتك ، وابعث إلي من شئت ، فتحدث معه ، قال : يا أبا بكرة ولا بأس ، ثم دخل المغيرة من باب الأصغر ، حتى تقدم إلى باب أم جميل امرأة من قيس فدخل عليها ، فقال أبو بكرة : والله لا صبر لي على هذا ، ثم بعث غلاما [ ص: 151 ] له ، وقال له : ارق الغرفة ، وانظر من الكوة ، فذهب ، فنظر ، فلم يلبث أن رجع ، فقال : وجدتهما في لحاف فقال أبو بكرة للقوم : قوموا معي ، فقاموا ، فبدأ أبو بكرة ، فنظر ، ثم استرجع ، ثم قال لأخيه : انظر ، فنظر ، قال له : ما رأيت ؟ قال : الزنا محصنا ، ثم قال لشبل : انظر ، فنظر ، فقال مثل ذلك ، ثم قال : يا زياد ، انظر ، فنظر ، فقال مثل ذلك ، فقال : أشهد الله عليكم ؟ قالوا : نعم ، ثم كتب أبو بكرة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بما رأى ، فبعث عمر أبا موسى الأشعري أميرا على البصرة أن يرسل إليه المغيرة ، ومعه أبو بكرة ، وشهوده ، فلما قدم أبو موسى أرسل بالمغيرة ، وأبي بكرة ، [ ص: 152 ] وشهوده وقال للمغيرة : ويل لك إن كان مصدوقا عليك ، وطوبى لك إن كان مكذوبا عليك ، فلما قدموا على عمر ، قال لأبي بكرة : هات ما عندك ، قال أشهد أني رأيت الزنا محصنا ، ثم تقدم أخوه نافع ، فقال : نحو ذلك ، ثم تقدم شبل بن معبد البجلي ، فقال : نحو ذلك ، ثم تقدم زياد ، فقال له : ما رأيت ؟ قال : رأيتهما في لحاف ، وسمعت نفسا عاليا ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فكبر عمر ، وفرح إذ نجا المغيرة ، وضرب القوم الحد ، إلا زيادا انتهى .

وسكت عنه .

طريق آخر :

رواه عبد الرزاق في " تفسيره " أخبرنا محمد بن مسلم عن [ ص: 153 ] إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب ، قال : شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر بالزنا ، ونكل زياد ، فحد عمر الثلاثة ، ثم سألهم أن يتوبوا ، فتاب اثنان ، فقبلت شهادتهما ، وأبى أبو بكرة أن يتوب ، فكانت شهادته لا تقبل حتى مات ، وعاد مثل النصل من العبادة انتهى .

طريق آخر :

أخرجه الطبراني في " معجمه " عن عبد الرزاق ثنا الثوري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي ، قال : شهد أبو بكرة ، ونافع ، وشبل بن معبد على المغيرة [ ص: 154 ] بن شعبة أنهم نظروا إليه كما ينظرون إلى المرود في المكحلة ، ونكل زياد ، فقال عمر : هذا رجل لا يشهد إلا بحق ، ثم جلدهم عمر الحد انتهى .

ورواه ابن سعد في " الطبقات في ترجمة المغيرة " أخبرنا الواقدي حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، فذكره بلفظ عبد الرزاق ، وزاد : قال : وكان ذلك سنة سبعة عشر ، ثم ولاه [ ص: 155 ] عمر بعد ذلك الكوفة ، يعني المغيرة انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث