الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

النوع الخامس : الرؤيا

وفي " القبس " : رأيت رؤية إذا عاينت ببصرك ، ورأيت رأيا إذا اعتقدت بقلبك ، ورأيت رؤيا إذا رأيت في منامك ، وقد تستعمل في اليقظة رؤيا ، وفي " الموطأ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ، قال صاحب " المنتقى " قال جماعة من العلماء : وكل الله [ ص: 270 ] تعالى ملكا يري الرائي ما ينبهه على ما يكون ، ومعنى : " جزء من ستة وأربعين " أن مدة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثا وعشرين سنة ، منها ستة أشهر نبوءة بالرؤيا ، قالت عائشة رضي الله عنها : فأول ما بدئ عليه السلام بالرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ، وستة أشهر من ثلاث وعشرين " جزء من ستة وأربعين " ، وقيل : أجزاء من النبوة لم يطلع عليها ، وروي : جزء من خمسة وأربعين ، وروي : من سبعين ، أن يكون ذلك اختلافا من الرؤيا ، فيحمل الأقل على الجلية ، والأكثر من العدد على الرؤيا الخفية ، أو تكون الستة والأربعون هي المبشرة ، والسبعون هي المحزنة ، والمحزنة لقلة تكرره ، ولما يكون من جنسها من الشيطان ، وفي " القبس " : روي أيضا : خمسون وستون جزءا من النبوة ، وخمسة وأربعون ، فاختلفت الأعداد ; لأنها رؤيا النبوة لا نفس النبوة ، وجعلت بشارات ، فأعطى الله تعالى من فضله جزءا من سبعين في الابتداء ، ثم زاد حتى بلغت خمسا وأربعين ، وتقسيمها بمدة النبي صلى الله عليه وسلم باطل ; لأنه مفتقر لنقل صحيح ، والأحسن قول الطبري عالم القرآن والسنة : إن نسبة عدة الأعداد إلى النبوة إنما هو بحسب اختلاف حال الرائي ، رؤيا الصالح على نسبته ، والذي على درجته دون ذلك ، وقوله عليه السلام : " ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤية الصالحة حض على تعليمها ، والاهتمام بها ليبقى لهم بعده - عليه السلام - جزء من النبوة بشر بذلك عليه السلام أمته ، ولا يعبر إلا من يعلمها ويحسنها وإلا فليترك .

وسئل مالك : أيفسر الرؤيا كل أحد ؟ قال فبالنبوة يلعب ، قيل : أيفسرها على الخير وهي عنده على الشر ( لقول من يقول : الرؤيا على ما أولت ، فقال الرؤيا جزء من أجزاء النبوة ، أفيتلاعب بأمر النبوة ، وفي " الموطأ " : الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان ) ، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله تعالى ، قال : فيحتمل أن يريد بالرؤيا الصالحة المبشرة ، ويحتمل الصادقة من الله تعالى .

[ ص: 271 ] ويريد بالحلم ما يحزن ، ويحتمل أن يريد به الكاذب يخيل به ليضر أو يحزن ، قال ابن وهب : يقول في الاستعاذة إذا نفث عن يساره : أعوذ بمن استعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت في منامي هذا أن يصيبني منه شيء أكرهه ، ثم يتحول على جانبه الآخر .

وفي " المقدمات " : الفرق بين رؤيا الأنبياء وغيرهم أن رؤيا غيرهم إذا أخطأ في تأويلها لا تخرج كما أولت ، رؤيا غير الصالح لا يقال فيها : جزء من النبوة ، ( وإنما يلهم الله الرائي التعوذ إذا كانت من الشيطان ، أو قدر أنها لا تصيبه ، وإن كانت من الله فإن سر القدر قد يكون وقوعه موقوفا على علم الدعاء ) .

تنبيه : في " القبس " قال صالح المعتزلي : رؤية المنام هي رؤية العين ، وقال آخرون هي رؤية بالعينين ، وقال آخرون هي رؤية بعينين في القلب يبصر بهما وأذنين في القلب يسمع بهما ، وقالت المعتزلة : هي تخاييل لا حقيقة لها ولا دليل عليها ، وجرت المعتزلة على أصولها في تحيلها على العامة في إنكار أصول الشرع في الجن ، وأحاديثها والملائكة وكلامها ، وأن جبريل عليه السلام لو كلم النبي صلى الله عليه وسلم بصوت لسمعه الحاضرون .

وأما أصحابنا فلهم ثلاثة أقوال : قال القاضي : هي خواطر واعتقادات ; وقال الأستاذ أبو بكر : أوهام ، وهو قريب من الأول ; وقال الأستاذ أبو إسحاق : هو إدراك بأجزاء لم تحلها آفة النوم ، فإذا رأى الرائي أنه بالمشرق ، وهو بالمغرب أو نحوه ، فهي أمثلة جعلها الله تعالى دليلا على تلك المعاني ، كما جعلت الحروف والأصوات والرقوم الكتابية دليلا على المعاني ، فإذا رأى الله تعالى أو النبي عليه السلام فهي أمثلة تضرب له بقدر حاله ، فإن كان موحدا رآه حسنا ، أو ملحدا رآه قبيحا ، وهو أحد التأويلين في قوله عليه السلام : " رأيت ربي في أحسن صورة . قال : وقال لي بعض الأمراء رأيت البارحة النبي عليه السلام في المنام أشد [ ص: 272 ] ما يكون من السواد ، فقلت : ظلمت الخلق وغيرت الدين ، قال عليه السلام " الظلم ظلمات يوم القيامة ، فالتغيير فيك لا فيه ، وكان متغيرا علي وعنده كاتبه وصهره وولده ، فأما الكاتب فمات ، وأما الآخران فتنصرا ، وأما هو فكان مستندا فجلس على نفسه ، وجعل يعتذر ، وكان آخر كلامه : وددت أن أكون حميا بمخلاة أعيش بالثغر ، قلت : وما ينفعك أن أقبل أنا عذرك ، وخرجت ، فوالله ما توقفت لي عنده بعد ذلك حاجة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث