الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها

وقيل : بل هي توفيت قبله . والمشهور الأول . وهما المشفقان; هذاك في الظاهر ، وهذه في الباطن هذاك كافر ، وهذه مؤمنة صديقة ، رضي الله عنها وأرضاها .

قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب ، بهلك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الإسلام ، يسكن إليها ، وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين ، فلما هلك أبو طالب ، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر [ ص: 305 ] على رأسه ترابا ، فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسله وتبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبكي يا بنية; فإن الله مانع أباك " . - ويقول بين ذلك - " ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " .

وذكر ابن إسحاق قبل ذلك ، أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته صلى الله عليه وسلم إذا نصبت له . قال : فكان إذا فعلوا ذلك - كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة - يخرج بذلك الشيء على العود فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ، أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق .

قال ابن إسحاق : لما اشتكى أبو طالب ، وبلغ قريشا ثقله ، قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا .

قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد ، عن بعض أهله ، عن ابن عباس ، قال : لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه ، وهم أشراف [ ص: 306 ] قومه; عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ لنا منه وخذ له منا; ليكف عنا ، ولنكف عنه ، وليدعنا وديننا ، ولندعه ودينه . فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه ، فقال : يا ابن أخي ، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ، ليعطوك وليأخذوا منك . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، كلمة واحدة تعطونيها ، تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم " . فقال أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات . قال : " تقولون : لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه " . قال : فصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا : يا محمد ، أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ، إن أمرك لعجب! قال : ثم قال بعضهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه ، ثم تفرقوا . قال : فقال أبو طالب : والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا . قال : فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، فجعل يقول له : أي عم ، فأنت فقلها ، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ، قال : فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا ابن أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك ، وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت ، لقلتها ، لا [ ص: 307 ] أقولها إلا لأسرك بها . قال : فلما تقارب من أبي طالب الموت ، نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بأذنه . قال : فقال : يا ابن أخي ، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أسمع . قال : وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط : ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق [ ص : 2 ، 1 ] الآيات . وقد تكلمنا على ذلك في " التفسير " . ولله الحمد والمنة .

وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة ، إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس هذا الحديث : يا ابن أخي! لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها . يعني لا إله إلا الله .

والجواب عن هذا من وجوه; أحدها ، أن في السند مبهما لا يعرف حاله ، وهو قوله : عن بعض أهله . وهذا إبهام في الاسم والحال ، ومثله يتوقف فيه لو انفرد .

وقد روى الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن جرير نحوا من هذا السياق ، من طريق أبي أسامة ، عن الأعمش ، حدثنا عباد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فذكره ، ولم يذكر قول العباس . ورواه الثوري أيضا ، عن [ ص: 308 ] الأعمش ، عن يحيى بن عمارة الكوفي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فذكره بغير زيادة قول العباس . ورواه الترمذي وحسنه ، والنسائي وابن جرير أيضا ، ولفظ الحديث من سياق البيهقي ، فيما رواه من طريق الثوري ، عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : مرض أبو طالب ، فجاءت قريش ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك ، وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ، ما تريد من قومك ؟ فقال : " يا عم ، إنما أريد منهم كلمة ، تذل لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ، كلمة واحدة " . قال : ما هي ؟ قال : " لا إله إلا الله " . قال : فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب! قال : ونزل فيهم : ص والقرآن ذي الذكر الآيات ، إلى قوله إلا اختلاق [ ص : 1 - 7 ]

ثم قد عارضه - أعني سياق ابن إسحاق - ما هو أصح منه ، وهو ما رواه البخاري رحمه الله قائلا : حدثنا محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبيه ، رضي الله عنه ، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة ، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، فقال : " أي عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله " . فقال أبو جهل وعبد الله [ ص: 309 ] بن أبي أمية : يا أبا طالب ، ترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " . فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم [ التوبة : 113 ] ونزلت : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين [ القصص : 56 ] ورواه مسلم ، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد ، عن عبد الرزاق .

وأخرجاه أيضا من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه بنحوه . وقال فيه : فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعودان له بتلك المقالة ، حتى قال آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما لأستغفرن لك ، ما لم أنه عنك " . فأنزل الله - يعني بعد ذلك - : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ونزل في أبي طالب : إنك لا تهدي من أحببت .

وهكذا روى الإمام أحمد ، ومسلم ، والترمذي من حديث يزيد بن [ ص: 310 ] كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لما حضرت وفاة أبي طالب ، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا عماه ، قل : لا إله إلا الله ، أشهد لك بها يوم القيامة " . فقال : لولا أن تعيرني قريش; يقولون : ما حمله عليه إلا جزع الموت . لأقررت بها عينك ، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك . فأنزل الله عز وجل : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين

وهكذا قال عبد الله بن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة : إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : لا إله إلا الله . فأبى أن يقولها ، وقال : هو على ملة الأشياخ . وكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب .

ويؤكد هذا كله ما قال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، حدثني عبد الله بن الحارث ، حدثنا العباس بن عبد المطلب ، أنه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أغنيت عن عمك ، فإنه كان يحوطك ويغضب لك . قال : هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " . ورواه مسلم في " صحيحه " من طرق عن [ ص: 311 ] عبد الملك بن عمير به .

وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث ، حدثني ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر عنده عمه ، فقال : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار ، يبلغ كعبيه ، يغلي منه دماغه " . لفظ البخاري ، وفي رواية : " تغلي منه أم دماغه " .

وروى مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي عثمان ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب ، منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه " .

وفي " مغازي " يونس بن بكير : " يغلي منهما دماغه ، حتى يسيل على قدميه " . . ذكره السهيلي .

وقال الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا عمر ، هو ابن إسماعيل بن مجالد ، حدثنا أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر ، قال : [ ص: 312 ] سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قيل له - : هل نفعت أبا طالب ؟ قال : " أخرجته من النار إلى ضحضاح منها " . تفرد به البزار .

قال السهيلي : وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس لأخيه ، أنه قال الكلمة ، وقال : " لم أسمع " ; لأن العباس كان إذ ذاك كافرا ، غير مقبول الشهادة .

قلت : وعندي أن الخبر بذلك ما صح ، لضعف سنده كما تقدم ، ومما يدل على ذلك ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب ، فذكر له ما تقدم . وبتقدير صحته ، لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة ، حين لا ينفع نفسا إيمانها . والله أعلم .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت ناجية بن كعب ، يقول : سمعت عليا ، يقول : لما توفي أبي ، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إن عمك قد توفي ، فقال : " اذهب فواره " . فقلت : إنه مات مشركا . فقال : " اذهب فواره ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " . ففعلت ، ثم أتيته فأمرني أن أغتسل . ورواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة به . ورواه أبو داود ، والنسائي ، من حديث سفيان ، عن [ ص: 313 ] أبي إسحاق ، عن ناجية ، عن علي : لما مات أبو طالب ، قلت : يا رسول الله ، إن عمك الشيخ الضال قد مات ، فمن يواريه ؟ قال : " اذهب فوار أباك ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " . فأتيته ، فأمرني فاغتسلت ، ثم دعا لي بدعوات ، ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء .

وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو سعد الماليني ، حدثنا أبو أحمد بن عدي ، حدثنا محمد بن هارون بن حميد ، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة ، حدثنا الفضل ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم عارض جنازة أبي طالب ، فقال : " وصلتك رحم ، وجزيت خيرا يا عم " . قال : وروي عن أبي اليمان الهوزني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وزاد : ولم يقم على قبره . قال : وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي ، تكلموا فيه .

قلت : قد روى عنه غير واحد; منهم الفضل بن موسى السيناني ، ومحمد بن سلام البيكندي ، ومع هذا قال ابن عدي : ليس بمعروف ، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة .

وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة ، والمحاجة ، والممانعة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه ، وعن أصحابه ، وما قاله فيه من الممادح والثناء ، [ ص: 314 ] وما أظهر له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها ، وما تضمنته من العيب والتنقص لمن خالفه وكذبه ، بتلك العبارة الفصيحة ، البليغة ، الهاشمية ، المطلبية ، التي لا تدانى ولا تسامى ، ولا يمكن عربيا مقاربتها ، ولا معارضتها ، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق ، بار ، راشد ، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه . وفرق بين علم القلب وتصديقه ، كما قررنا ذلك في شرح كتاب الإيمان من - صحيح البخاري - وشاهد ذلك قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [ البقرة : 146 ] . وقال تعالى في قوم فرعون : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : 14 ] . وقال موسى لفرعون : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا [ الإسراء : 102 ] ، وقول بعض السلف في قوله تعالى : وهم ينهون عنه وينأون عنه [ الأنعام : 26 ] إنها نزلت في أبي طالب ، حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق ، فقد روي عن ابن عباس ، والقاسم بن مخيمرة ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعطاء بن دينار ، ومحمد بن كعب ، وغيرهم ، وفيه نظر . والله أعلم .

والأظهر - والله أعلم - الرواية الأخرى عن ابن عباس : وهم ينهون [ ص: 315 ] الناس عن محمد أن يؤمنوا به . وبهذا قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وغير واحد . وهو اختيار ابن جرير ، وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين ، حيث كانوا يصدون الناس عن اتباع الحق ، ولا ينتفعون هم أيضا به ، ولهذا قال ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون [ الأنعام : 25 ، 26 ] وهذا اللفظ وهو قوله : " وهم " ، يدل على أن المراد بهذا جماعة ، وهم المذكورون في سياق الكلام ، وقوله : وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون يدل على تمام الذم ، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة ، بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ، ونفس ومال ، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان; لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة ، والحجة القاطعة البالغة الدامغة ، التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث