الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 667 ] ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة

فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة بمرج الحديد ، كانت وقعة عظيمة ، نصر الله فيها الإسلام وخذل فيها عبدة الصلبان ، وذلك أن الفنش ملك الفرنج ببلاد الأندلس ومقر ملكه بمدينة طليطلة كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب يستنخيه ويستدعيه ويستحثه إليه ، في كلام طويل فيه تأنيب وتهديد ووعيد شديد ، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه : ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون [ النمل : 27 ]

ثم نهض من فوره بجنوده وعساكره حتى قطع الزقاق إلى الأندلس ، فالتقوا في المكان المتقدم ذكره ، فكانت الدائرة أولا على المسلمين ، فقتل منهم عشرون ألفا ، ثم كانت أخيرا على الكافرين ، فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة ، وشر هزيمة وأشنعها ، فقتل منهم مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا ، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفا ، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا ; من ذلك مائة ألف خيمة وثلاثة وأربعون خيمة ، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس ، ومن البغال مائة ألف بغل ، ومن الحمر مثلها ، ومن السلاح التام سبعون ألفا ، ومن العدد شيء كثير ، وملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا ، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة ، ثم لم يفتحها ، [ ص: 668 ] فانفصل عنها راجعا إلى بلاده .

ولما حصل للفنش ما حصل حلق رأسه ولحيته ، ونكس صليبه وركب حمارا ، وحلف لا يركب فرسا ولا يتلذذ بطعام ، ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية ، فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فاستعد له السلطان يعقوب ، فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما ، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى وغنموا منهم نظير ما تقدم ذكره أو أكثر ، واستحوذ السلطان على كثير من معاقلهم وقلاعهم ؛ ولله الحمد والمنة ، حتى قيل : إنه بيع الأسير بدرهم ، والحصان بخمسة دراهم ، والخيمة بدرهم ، والسيف بنصف درهم ، ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي ، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد ، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين ، وإنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له : علي بن إسحاق الميورقي الذي يقال له : الملثم . ظهر ببلاد إفريقية ، فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان واشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين ، وظهر هذا المارق الميورقي بالبادية ، وعاث في الأرض فسادا ، وقتل خلقا كثيرا ، وتملك بلادا .

وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمذان وخوزستان وغيرها من البلاد ، وقوي جانب الخلافة على الملوك والممالك . وفيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل ، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو [ ص: 669 ] واللعب ، وأقبل على الصيام والصلاة ، وشرع بكتابة مصحف بيده وحسنت طريقته ، غير أن وزيره الضياء الجزري يفسد عليه دولته ويكدر عليه صفوته ، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده ، فسار معه وسبقه إلى دمشق ، وراح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب فسارا جميعا نحو دمشق ، فلما سمع العزيز بذلك وقد اقترب من دمشق كر راجعا سريعا إلى مصر ، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه ديار مصر ، وقد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل وثلثاها للأفضل ، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته ، وأقبل على الأفضل يثبطه ، وأقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز ، فوقع الصلح بينهما على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل ، ويستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم ، فأقام العادل بها طمعا فيها ، ورجع الأفضل إلى دمشق بعدما خرج العزيز لتوديعه ، وهي هدنة على قذى ، وصلح على دخن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث