الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلافة المستنصر بالله العباسي أمير المؤمنين أبي جعفر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

خلافة المستنصر بالله العباسي أمير المؤمنين أبي جعفر

منصور بن الظاهر محمد بن الناصر أحمد

بويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم جمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة ، سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، استدعوا به من التاج ، فبايعه الخاصة والعامة من [ ص: 151 ] أهل الحل والعقد وكان يوما مشهودا ، وكان عمره يومئذ خمسا وثلاثين سنة وخمسة أشهر وأحد عشر يوما ، وكان من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرا ، وهو كما قال القائل :


كأن الثريا علقت في جبينه وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر

وفي نسبه الشريف خمسة عشر خليفة ، منهم خمسة من آبائه ، ولوا نسقا وتلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابرا عن كابر ، وهذا شيء لم يتفق لأحد من الخلفاء قبله ، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود وحسن السيرة والإحسان إلى الرعية . وبنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها ، وسيأتي بيان ذلك في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، واستمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه ، ولما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للإمام المستنصر بالله على المنابر ، ونثر الذهب والفضة عند ذكر اسمه ، وكان يوما مشهودا ، وأنشد الشعراء المدائح والمراثي ، وأطلقت لهم الخلع والجوائز .

وقدم رسول من صاحب الموصل يوم غرة شعبان مع الوزير ضياء الدين أبي الفتح نصر الله بن الأثير ، فيها التهنئة والتعزية بعبارة فصيحة بليغة .

ثم إن المستنصر بالله كان يواظب على حضور الجمعة راكبا ظاهرا للناس ، وإنما معه خادمان ، وركب دار ، وخرج مرة وهو راكب ، فسمع ضجة عظيمة ، فقال : ما هذا؟ فقيل له : التأذين . فترجل عن فرسه ، وسعى ماشيا ، ثم [ ص: 152 ] صار يدمن المشي إلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع ، ويجلس قريبا من الإمام ، ويستمع الخطبة ، ثم أصلح له المطبق ، فكان يمشي منه إلى الجمعة ، وركب في الثاني والعشرين من شعبان ركوبا ظاهرا للناس عامة ، ولما كانت أول ليلة من رمضان تصدق بصدقات كثيرة من الدقيق والغنم والنفقات على العلماء والفقراء والمحاويج ، إعانة لهم على الصيام ، وتقوية لهم على القيام .

وفي يوم السابع والعشرين من رمضان نقل تابوت أبيه الظاهر من دار الخلافة إلى الترب من الرصافة ، وكان يوما مشهودا ، وبعث الخليفة المستنصر يوم العيد صدقات كثيرة ، وإنعاما جزيلا إلى الفقهاء والصوفية وأئمة المساجد ، على يدي محيي الدين بن الجوزي .

وذكر ابن الأثير أنه كانت زلزلة عظيمة في هذه السنة ، هدمت شيئا كثيرا من القرى والقلاع ببلادهم . وذكر أنه ذبح شاة ببلدهم ، فوجد لحمها مرا حتى رأسها وأكارعها ومعاليقها وجميع أجزائها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث