الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فأما شركة المفاوضة : فهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما ) لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق إذ هي من المساواة . قال قائلهم :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

أي متساوين فلا بد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء ، وذلك في المال ، والمراد به ما تصح الشركة فيه ، ولا يعتبر التفاضل فيما لا يصح الشركة فيه ، وكذا في التصرف لأنه لو ملك أحدهما تصرفا لا يملك الآخر لفات التساوي ، وكذلك في الدين لما نبين إن شاء الله تعالى ، وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانا وفي القياس لا تجوز ، وهو قول الشافعي رحمه الله . وقال مالك رحمه الله : لا أعرف ما المفاوضة . وجه القياس أنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس والكفالة بمجهول وكل ذلك بانفراده فاسد . وجه الاستحسان قوله عليه الصلاة والسلام : { فاوضوا فإنه أعظم للبركة }وكذا الناس يعاملونها من غير نكير وبه يترك القياس ، والجهالة محتملة تبعا كما في المضاربة ( ولا تنعقد إلا بلفظة المفاوضة ) لبعد شرائطها عن علم العوام ، حتى لو بينا جميع ما تقتضيه تجوز لأن المعتبر هو المعنى . قال : ( فتجوز بين الحرين الكبيرين مسلمين أو ذميين لتحقق التساوي ، وإن كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا تجوز أيضا ) لما قلنا : ( ولا تجوز بين [ ص: 391 ] الحر والمملوك ولا بين الصبي والبالغ ) لانعدام المساواة لأن الحر البالغ يملك التصرف والكفالة ، والمملوك لا يملك واحدا منهما إلا بإذن المولى ، والصبي لا يملك الكفالة ولا يملك التصرف إلا بإذن الولي . قال : ( ولا بين المسلم والكافر ) وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله : يجوز التساوي بينهما في الوكالة والكفالة ولا معتبر بزيادة تصرف يملكه أحدهما كالمفاوضة بين الشافعي والحنفي فإنها جائزة ويتفاوتان في التصرف في متروك التسمية إلا أنه يكره لأن الذمي لا يهتدي إلى الجائز من العقود ، ولهما أنه لا تساوي في التصرف ، فإن الذمي لو اشترى برأس المال خمورا أو خنازير صح ، ولو اشتراها مسلم لا يصح ( ولا يجوز بين العبدين ولا بين الصبيين ولا بين المكاتبين ) لانعدام صحة الكفالة . وفي كل موضع لم تصح المفاوضة لفقد شرطها ، ولا يشترط ذلك في العنان كان عنانا لاستجماع شرائط العنان إذ هو قد يكون خاصا وقد يكون عاما . قال : ( وتنعقد على الوكالة والكفالة ) أما الوكالة فلتحقق المقصود وهو الشركة في المال على ما بيناه ، وأما الكفالة فلتحقق المساواة فيما هو من مواجب التجارات وهو توجه المطالبة نحوهما جميعا . قال : ( وما يشتريه كل واحد منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم ) وكذا كسوته وكذا الإدام ، لأن مقتضى العقد المساواة وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف وكان شراء أحدهما كشرائهما إلا ما استثناه في الكتاب ، وهو استحسان لأنه مستثنى عن المفاوضة للضرورة ، فإن الحاجة الراتبة معلومة الوقوع ، ولا يمكن إيجابه على صاحبه ولا التصرف من ماله ، ولا بد من الشراء فيختص به ضرورة . والقياس أن يكون على الشركة لما بينا ( وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء ) المشتري بالأصالة وصاحبه بالكفالة ويرجع الكفيل على المشتري بحصته مما أدى لأنه قضى دينا عليه من مال [ ص: 392 ] مشترك بينهما . قال : ( وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلا عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامن له ) تحقيقا للمساواة فمما يصح فيه الاشتراك : الشراء والبيع والاستئجار ، ومن القسم الآخر الجناية والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد وعن النفقة . قال : ( ولو كفل أحدهما بمال عن أجنبي لزم صاحبه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا : لا يلزمه ) لأنه تبرع ، ولهذا لا يصح من الصبي والعبد المأذون والمكاتب ولو صدر من المريض يصح من الثلث وصار كالإقراض والكفالة بالنفس . ولأبي حنيفة رحمه الله : أنه تبرع ابتداء ومعاوضة بقاء لأنه يستوجب الضمان بما يؤدي عن المكفول عنه إذا كانت الكفالة بأمره فبالنظر إلى البقاء تتضمنه المفاوضة ، وبالنظر إلى الابتداء لم تصح ممن ذكره ، وتصح من الثلث من المريض بخلاف الكفالة بالنفس لأنها تبرع ابتداء وانتهاء . وأما الإقراض فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يلزم صاحبه ولو سلم فهو إعارة فيكون لمثلها حكم عينها لا حكم البدل حتى لا يصح فيه الأجل ، فلا يتحقق معاوضة ، ولو كانت الكفالة بغير أمره لم تلزم صاحبه في الصحيح لانعدام معنى المفاوضة ، ومطلق الجواب في الكتاب محمول على المقيد ، وضمان الغصب والاستهلاك بمنزلة الكفالة عند أبي حنيفة رحمه الله : لأنه معاوضة انتهاء . قال : ( فإن ورث أحدهما مالا يصح فيه الشركة أو وهب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت عنانا ) لفوات المساواة فيما يصلح رأس المال إذ هي شرط فيه ابتداء وبقاء ، وهذا لأن الآخر لا يشاركه فيما أصابه لانعدام السبب في حقه إلا أنها تنقلب عنانا للإمكان فإن المساواة ليست بشرط فيه ولدوامه حكم الابتداء لكونه غير لازم ( فإن ورث أحدهما عرضا فهو له ولا تفسد المعاوضة ) وكذا العقار لأنه لا تصح فيه الشركة فلا تشترط المساواة فيه . .

[ ص: 390 ]

التالي السابق


[ ص: 390 ] الحديث الثاني : قال عليه السلام : { فاوضوا ، فإنه أعظم للبركة }; قلت : غريب ; وأخرج ابن ماجه في " سننه في التجارات " عن صالح بن صهيب عن أبيه صهيب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ثلاث فيهن البركة : البيع إلى أجل ، والمقارضة ، وأخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع }انتهى .

ويوجد في بعض نسخ ابن ماجه " المفاوضة " عوض " المقارضة " ، ورواه إبراهيم الحربي في كتاب " غريب الحديث " ، وضبط المعارضة بالعين والضاد فسر المعارضة بأنها بيع عرض بعرض مثله ، قال : والعرض [ ص: 391 ] هو ما سوى النقود من دابة أو غيرها ، قال : والعرض بفتح الراء حطام الدنيا ، ومنه قوله عليه السلام : { ليس الغناء عن كثرة العرض ، إنما الغنى غنى النفس } ، وقوله : يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا ، وقوله : { تريدون عرض الدنيا }. .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث