الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) .

قوله تعالى : ( إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل : ( ماذا أجبتم ) توبيخ من تمرد من أممهم ، وأشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام ; لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء ، وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه ، حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به ، وهو اتخاذ الزوجة والولد ، فلا جرم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة ، والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم ، فإن كل واحدة من تلك النعم المعددة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله . والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم .

المسألة الثانية : موضع (إذ) يجوز أن يكون رفعا بالابتداء على معنى : ذاك إذ قال الله ، ويجوز أن يكون المعنى : اذكر إذ قال الله .

المسألة الثالثة : خرج قوله : ( إذ قال الله ) على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه :

الأول : الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ، ويقال : الجيش قد أتى : إذا قرب إتيانهم ، قال الله تعالى : ( أتى أمر الله ) [النحل : 1] الثاني : أنه ورد على حكاية الحال ونظيره قول الرجل لصاحبه : كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا فيها كذا إذ صاح صائح فتركتني وأجبته ، ونظيره من القرآن قوله تعالى : ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ) [سبأ : 51] ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) [الأنفال : 50] ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ) [سبأ : 31] والوجه في كل هذه الآيات ما ذكرناه ، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال .

المسألة الرابعة : ( ياعيسى ابن مريم ) يجوز أن يكون ( عيسى ) في محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ، ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيدا ، وكل ما كان مثل هذا [ ص: 104 ] جاز فيه وجهان ، نحو يا زيد بن عمرو ، ويا زيد بن عمرو ، وأنشد النحويون :


يا حكم بن المنذر بن الجارود



برفع الأول ونصبه على ما بيناه .

المسألة الخامسة : قوله : ( نعمتي عليك ) أراد الجمع كقوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ( النحل : 18 ) وإنما جاز ذلك لأنه مضاف يصلح للجنس .

واعلم أن الله تعالى فسر نعمته عليه بأمور ، أولها : قوله : ( إذ أيدتك بروح القدس ) وفيه وجهان :

الأول : روح القدس هو جبريل عليه السلام ، الروح جبريل والقدس هو الله تعالى ، كأنه أضافه إلى نفسه تعظيما له .

الثاني : أن الأرواح مختلفة بالماهية ، فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ، ومنها مشرقة ، ومنها كدرة ، ومنها خيرة ، ومنها نذلة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : الأرواح جنود مجندة فالله تعالى خص عيسى بالروح الطاهرة النورانية المشرقة العلوية الخيرة ، ولقائل أن يقول : لما دلت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل ; لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك ، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم ; فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا ، وما لم تعرف نبوة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل ، فيلزم الدور . وجوابه ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله ، وبه يندفع هذا السؤال .

وثانيها : قوله تعالى : ( تكلم الناس في المهد وكهلا ) أما كلام عيسى في المهد فهو قوله : ( إني عبد الله آتاني الكتاب ) [مريم : 30] وقوله : ( تكلم الناس في المهد وكهلا ) في موضع الحال ، والمعنى : يكلمهم طفلا وكهلا من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين ، وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده .

وثالثها : قوله تعالى : ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) .

وفي (الكتاب) قولان ، أحدهما : المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني : المراد منه جنس الكتب . فإن الإنسان يتعلم أولا كتبا سهلة مختصرة ، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة . وأما ( الحكمة ) فهي عبارة عن العلوم النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده ( التوراة والإنجيل ) وفيه وجهان :

الأول : أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) [البقرة : 238] وقوله : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) [الأحزاب : 7] .

والثاني وهو الأقوى : أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية لا يحصل إلا لمن صار بانيا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء . فقوله : ( التوراة والإنجيل ) إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث