الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ممن توفي فيها من الأعيان :

أبغا ملك التتار بن هولاكوقان بن تولي بن جنكزخان

كان عالي الهمة ، [ ص: 579 ] بعيد الغور له رأي وتدبير ، وبلغ من العمر خمسين سنة ، ومدة ملكه ثماني عشرة سنة ، ولم يكن بعد والده في التدبير والحزم مثله ، ولم تكن وقعة حمص هذه برأيه ولا عن مشورته ، ولكن أخوه منكوتمر أحب ذلك ، فلم يخالفه .

ورأيت في بعض تواريخ البغاددة أن قدوم منكوتمر إلى الشام إنما كان عن مكاتبة سنقر الأشقر إليه . فالله أعلم . وقد جاء أبغا هذا بنفسه فنزل قريبا من الفرات لينظر ماذا يكون من الأمر ، فلما جرى عليهم ما جرى ساءه ذلك ، ومات غما وحزنا . توفي بين العيدين من هذه السنة ، وقام بالملك بعده ولده السلطان أحمد .

قاضي القضاة نجم الدين أبو بكر بن قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن قاضي القضاة شمس الدين يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي الشافعي ، ابن سني الدولة

ولد سنة ست عشرة وستمائة ، وسمع الحديث ، وبرع في المذهب ، وناب عن أبيه وشكرت سيرته ، واستقل بالقضاء في الدولة المظفرية ، فحمد أيضا ، وكان الشيخ شهاب الدين ينال منه ومن أبيه . وقال البرزالي : كان شديدا في الأحكام متحريا ، وقد ألزم بالمقام بمصر ، فدرس بجامع مصر ، ثم عاد إلى دمشق ، فدرس بالأمينية والركنية ، وباشر قضاء حلب ، وعاد إلى دمشق ، وولاه سنجر قضاء دمشق ، ثم عزل بابن خلكان كما تقدم ، ثم كانت وفاته يوم الثلاثاء ثامن المحرم ، ودفن من [ ص: 580 ] الغد يوم تاسوعاء بتربة جده بقاسيون .

وفي عاشر المحرم توفي :

قاضي القضاة صدر الدين عمر بن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن أبي القاسم العلامي ابن بنت الأعز المصري

كان فاضلا بارعا عارفا بالمذهب ، متحريا في الأحكام كأبيه ، ، ودفن بالقرافة .

الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغوري الموله المعروف بالجيعانة

كان مشهورا بدمشق ، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل ، ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات ، ولا يصوم مع الناس ، ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه! توفي يوم الأحد سابع جمادى الأولى ، ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون عند الشيخ يوسف القميني ، وقد توفي الشيخ يوسف قبله بمدة ، وكان الشيخ يوسف يسكن قمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين ، وكان يجلس على النجاسات والقذر ، وكان يلبس ثيابا بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة ، وكان له قبول من الناس ومحبة وطاعة ، وكان العوام يغالون في محبته واعتقاده ، وكان لا يصلي ولا يتقي نجاسة ومن جاءه زائرا جلس عنده بالقمين على النجاسة ، وكان العوام يذكرون له مكاشفات [ ص: 581 ] وكرامات وكل ذلك خرافات من خرافات العوام وأهل الهذيان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولهين . ولما مات الشيخ يوسف القميني خرج في جنازته خلق كثير من العوام وغيرهم ، وكانت جنازته حافلة بهم ، وحمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون ، وبين يديه غوغاء وغوش كثير وتهليل وأمور لا تجوز من فعل العوام ، حتى جاءوا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها ، وقد اعتنى بعض العوام بقبره ، فعمل عليه حجارة منقوشة ، وعمل على قبره سقفا مقرنصا بالدهان وأنواعه ، وعمل عليه مقصورة وأبوابا ، وغالى فيه مغالاة زائدة ، ومكث هو وجماعة مجاورون عند قبره مدة في قراءة وتهليل ، ويطبخ لهم الطبيخ فيأكلون ويشربون هناك . والمقصود أن الشيخ إبراهيم الجيعانة لما مات الشيخ يوسف القميني جاء من الشاغور إلى باب الصغير في جماعة من أتباعه ، وهم في صراخ وضجة وغوش كثير ، وهم يقولون : أذن لنا في دخول البلد ، أذن لنا في دخول البلد . يكررون ذلك ، فقيل له في ذلك ، فقال : لي عشرون سنة ما دخلت داخل سور دمشق; لأني كنت كلما أتيت بابا من أبوابها أجد هذا السبع رابضا بالباب ، فلا أستطيع الدخول خوفا منه ، فلما مات أذن لنا في الدخول . وهذا كله ترويج على الطغام والعوام من الهمج الرعاع ، الذين هم أتباع كل ناعق ، وقيل : إن الشيخ يوسف كان يرسل إلى الجيعانة مما يأتيه من الفتوح . والله سبحانه أعلم بأحوال عباده ، وإليه المنقلب والمآب ، وعليه الحساب .

[ ص: 582 ] وقد ذكرنا أنه استشهد في وقعة حمص جماعة من الأمراء منهم :

الأمير عز الدين أزدمر السلحدار

عن نحو من ستين سنة ، وكان من خيار الأمراء ، وله همة عالية ينبغي أن ينال بها مكانا عاليا في الجنة .

قاضي القضاة تقي الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى العامري الحموي الشافعي

ولد سنة ثلاث وستمائة ، وقد سمع الحديث ، وانتفع بالشيخ تقي الدين بن الصلاح ، وأم بدار الحديث مدة ، ودرس بالشامية ، وولي وكالة بيت المال بدمشق ، ثم سار إلى مصر فدرس بها بعدة مدارس ، وولي الحكم بها ، وكان مشكورا ، توفي ليلة الأحد ثالث رجب منها ، ودفن بالمقطم .

وفي يوم السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة توفي :

الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الزاهر محيي الدين داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الناصر ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي بن صاحب حمص ، ودفن بتربتهم بقاسيون .

وفي ذي القعدة توفي :

الشيخ جمال الدين الإسكندري

الحاسب بدمشق ، وكان له مكتب تحت منارة فيروز ، وقد انتفع به خلق كثير ، وكان شيخ [ ص: 583 ] الحساب في وقته ، رحمه الله .

الشيخ علم الدين أبو الحسن محمد بن الإمام أبي علي الحسين بن عتيق بن عبد الله بن رشيق الربعي المالكي المصري

ودفن بالقرافة ، وكانت له جنازة حافلة ، وقد كان فقيها مفتيا ، سمع الحديث ، وبلغ خمسا وثمانين سنة .

وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة توفي :

الصدر الكبير شمس الدين أبو الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي بن خلف بن علان القيسي الدمشقي

مولده سنة أربع وتسعين ، وكان من الرؤساء الكبار وأهل البيوتات ، وقد ولي نظر الدواوين بدمشق وغير ذلك ، ثم ترك ذلك كله ، وأقبل على العبادة وكتابة الحديث ، وكان يكتب سريعا; يكتب في اليوم الواحد ثلاث كراريس ، وقد أسمع " مسند الإمام أحمد " ثلاث مرات ، وحدث " بصحيح مسلم " " وجامع الترمذي " وغير ذلك ، وسمع منه البرزالي والمزي وابن تيمية ودفن من يومه بسفح قاسيون عن ست وثمانين سنة ، رحمهم الله جميعا .

الشيخ صفي الدين أبو القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد التميمي الحنفي

شيخ الحنفية ببصرى ، ومدرس الأمينية بها مدة سنين كثيرة ، كان [ ص: 584 ] بارعا فاضلا عالما عابدا منقطعا عن الناس ، وهو والد قاضي القضاة صدر الدين علي ، وقد عمر دهرا طويلا ، فإنه ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وتوفي ليلة نصف شعبان من هذه السنة عن سبع وتسعين سنة ، رحمه الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث