الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1302 [ ص: 81 ] باب ما جاء في ثمر المال يباع أصله 1263 - مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من باع نخلا قد أبرت ، فثمرها للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع " .

[ ص: 82 ]

التالي السابق


[ ص: 82 ] 28263 - قال أبو عمر : لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحة هذا الحديث ، وهو عند جميعهم صحيح .

28264 - وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " من باع نخلا قد أبرت ; فالأبار عند أهل العلم ، وأهل اللغة لقاح النخل ، يقال منه : أبر النخل ، يؤبرها ، أبرا ، أو تأبرت تأبرا .

28265 - قال الخليل : الأبار : لقاح النخل .

28266 - قال : والأبار أيضا علاج الزرع بما يصلحه من السقي ، والتعاهد .

28267 - قال الشاعر :

ولي الأصل الذي في مثله يصلح الآبر زرع المؤتبر

.

28268 - ولا أعلم بين أهل العلم خلافا أن التلقيح هو أن يؤخذ طلع ذكور النخل ، فيدخل بين ظهراني طلع الإناث .

28269 - وأما معنى الأبار في سائر ثمار الأشجار : فابن القاسم يراعي ظهور الثمرة لا غير ، ومعناه انعقاد الثمرة ، وثبوتها .

28270 - وقال ابن عبد الحكم : كل ما لا يؤبر من الثمار ، فاللقاح فيه بمنزلة [ ص: 83 ] الأبار في النخل ، واللقاح أن تنور الشجرة ، ويعقد ، فيسقط منه ما يسقط ، ويثبت ما يثبت ، فهذا هو اللقاح فيما عدا النخيل من الأشجار .

28271 - قال : وأما أن يورق ، أو ينور فقط ، فلا . هذا فيما يذكر من ثمار الأشجار ، وأما ما يذكر من ثمار شجر التين ، وغيرها ، فإن إباره التذكير .

28272 - وهذا قول الشافعي ، وسائر العلماء .

28273 - ولم يختلفوا في أن الحائط إذا تشقق طلع إناثه ، فأخذ إباره ، وقد أبر غيره مما حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما قد أبر ; لأنه قد جاء عليه وقت الأبار ، وظهرت إبرته بعد مغيبها في الجف .

28274 - وأما اختلاف العلماء في ثمار النخيل يباع أصله : 28275 - فقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والليث بن سعد بظاهر حديث ابن عمر المذكور في أول هذا الباب .

28276 - قالوا : إذا كان في النخل ثمر ، وقد أبر قبل عقد البيع ، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، فإن اشترطه المبتاع في صفقة واحدة ، فهو له ، وإن كان النخل لم يؤبر ، فالثمر للمشتري بالعقد من غير شرط .

[ ص: 84 ] 28277 - وإن كان بعض الحائط مؤبرا ، أو بعضه لم يؤبر كان ما أبر منه للبائع ، وما لم يؤبر للمشتري ، فإن كان المؤبر ، أو غيره الأقل كان تبعا للأكثر منهما .

28278 - وهذا كله قول مالك .

28279 - وقد روي عنه أن المؤبر قليلا أو كثيرا للبائع ، والذي لم يؤبر قليلا أو كثيرا للمبتاع ، كما لو كان المؤبر ، أو غير المؤبر متساويين .

28280 - وأجاز مالك - رحمه الله - للمشتري أصول النخل المؤبر إذا لم يشترط الثمرة أن يشتريها هو وحده دون غيره قبل بدو صلاحها في صفقة واحدة ، كما كان له أن يشترطها في صفقة .

28281 - هذه رواية ابن القاسم عنه في هذه المسألة ، وفي مال العبد .

28282 - وروى ابن وهب عن مالك أن ذلك لا يجوز فيها لا له ، ولا لغيره .

28283 - ولم يجز ذلك الشافعي ، ولا الثوري ، ولا أحمد ، ولا إسحاق ، ولا أبو ثور ، ولا داود ، ولا الطبري .

28284 - وكذلك قال المغيرة ، وابن دينار ، وابن عبد الحكم ، وهو الصواب .

[ ص: 85 ] 28285 - فإن لم يشترطه المبتاع ، فالثمرة للبائع متروكة في النخل إلى الجذاذ .

28286 - وقال الشافعي : ومعقول إذا كانت الثمرة للبائع أن على المشتري تركها في شجرها إلا أن تبلغ الجذاذ ، والقطاف من الشجر ، فإذا كان لا يصلح بها إلا السقاء ، فعلى المشتري تخلية البائع ، وما يكفي من السقي ، وإنما من الماء ما تصلح به الثمرة مما لا غنى له عنه ، وهذا كله معنى قول مالك ومن ذكرنا معه .

28287 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إذا باع الرجل نخلا ، أو شجرا فيها ثمر قد ظهر ، فهو للبائع إذا لم يشترطه المشتري ، وعليه قلعه من شجر المشتري ومن نخله ، وليس له تركه إلى الجذاذ ، ولا إلى غيره ، وسواء عندهم أبر ، أو لم يؤبر إذا كان قد ظهر في النخل .

28288 - فإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجذاذ ، فإن أبا حنيفة ، وأبا يوسف قالا : البيع فاسد .

28289 - وقال محمد بن الحسن : إذا كان صلاحها لم يبد فالبيع فاسد إن اشترط البائع بقاءها إلى جذاذها ، وإن كان قد بدا صلاحها فالبيع ، والشرط جائزان .

28290 - واختاره الطحاوي .

28291 - قال أبو عمر : خالف الكوفيون السنة في ذلك إلى قياس ، [ ص: 86 ] ولا قياس مع النص .

28291 م - ومن حجتهم الإجماع على أن الثمرة لو لم تؤبر حتى تناهت ، وصارت بلحا ، أو بسرا ، وبيع النخل أن الثمرة لا تدخل فيه .

28292 - قالوا : فعلمنا أن المعنى في ذكر التأبير ظهور الثمرة ، فاعتبروا ظهور الثمرة ، ولم يعرفوا بين المؤبر وغير المؤبر .

28293 - وقال ابن أبي ليلى : سواء أبر النخل ، أو لم يؤبر ، إذا بيع أصله ، فالثمرة للمشتري اشترطها ، أو لم يشترطها كسعف النخل .

28294 - قال أبو عمر : هذا أشد خلافا للحديث ، وبالله التوفيق .

28295 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : من اشترى أرضا فيها زرع ولم يبد صلاحه ، فالزرع للبائع ، إلا أن يشترطه المشتري .

28296 - وبدو صلاحه عند ابن القاسم أن يبرز ، ويظهر ، ويستقل .

28297 - وإن وقع البيع ، والبذر لم ينبت ، فهو للمبتاع بغير شرط ، ولا يحتاج إلى شرط .

28298 - وقد روي عن مالك أنه للبائع .

28299 - وذكر ابن عبد الحكم ، عن مالك ، قال : ومن ابتاع أرضا ، وفيها زرع قد ألقح ، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، وإن كان لم يلقح ، فهو [ ص: 87 ] للمبتاع .

28300 - قال : وكذلك لو ألقح أكثره كان للبائع كله دون المبتاع .

28301 - وقال : ولقاح القمح ، والشعير أن يحبب ، ويسنبل حتى لو يبين - حينئذ - لم يكن فسادا .

28302 - وقولهم في اشتراط نصف الثمرة ، وغيرها كقولهم في اشتراط نصف مال العبد ، أو بعضه ، وقد تقدم ذكر ذلك في بابه ، والحمد لله كثيرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث