الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        28155 - قال مالك ، في الرجل يشتري العبد فيؤاجره بالإجارة العظيمة ، أو الغلة القليلة ، ثم يجد به عيبا يرد منه : إنه يرده بذلك العيب ، وتكون له إجارته وغلته ، وهذا الأمر الذي كانت عليه الجماعة ببلدنا ، وذلك لو أن رجلا ابتاع عبدا . فبنى له دارا قيمة بنائها ثمن العبد أضعافا ، ثم وجد به عيبا يرد منه ، رده ولا يحسب للعبد عليه إجارة فيما عمل له ، فذلك تكون له إجارته ، إذا آجره من غيره ; لأنه ضامن له ، وهذا الأمر عندنا .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        28156 - وذكر ابن وهب في موطئه أيضا ، قال : وسئل مالك عن رجل باع جارية له من رجل ، فتزوجها المبتاع ، فولدت أولادا ، ثم وجد بها عيبا كان عند البائع ، أترى ولادتها فوتا ، أو يردها بولدها إن شاء أو يمسكها ؟ 28157 - فذكر فيها مالك شيئا ، ثم قال : إن شاء أن يمسكها أمسكها ، وإن [ ص: 59 ] شاء أن يردها بولدها ردها ، ولا أرى له في العيب شيئا إن أمسكها .

                                                                                                                        28158 - وتلخيص مذهب مالك في هذا الباب أنه من اشترى سلعة لها غلة ، أو خراج ، أو كان عبدا ، فأخذ خراجه ، وعمله ، أو نخلا فأثمرت ، أو جارية ، فولدت ، ثم وجد عيبا ، فإنه يرد ، ولا شيء عليه في الكسب والثمرة ، وأما الولد ، فيرد مع أمه ، وسواء اشتراها وهي حامل ، أو حملت بعد الشراء - يعني من غيره - وكذلك الاستحقاق .

                                                                                                                        28159 - وقال الثوري : إذا باع عبدا فأغل غلة عند الذي اشتراه ، ثم وجد به عيبا كانت الغلة للمشتري بما ضمن .

                                                                                                                        28160 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : إذا كانت ماشية فحلبها ، أو شجرا فأكل ثمرها ، لم يكن له ردها بالعيب إلا أن يرد قيمة الثمر ، واللبن .

                                                                                                                        28161 - هذه رواية الجوزجاني ، عن محمد ، عنهم .

                                                                                                                        [ ص: 60 ] 28162 - وذكر الطحاوي أنه لا يرد اللبن ، فلم يختلف عنهم أنه يرد كراء الولد كالشجر .

                                                                                                                        28163 - وكذلك لم يختلف عنهم في الدار والجارية ، والغلام إذا استغل شيئا من ذلك أن الغلة له ، ويرد السلعة بالعيب .

                                                                                                                        28164 - وقالوا : إن غصب رجل عبد رجل ، ثم باعه ، واستغله المشتري ، ثم استحقه المغصوب منه كانت الغلة للمشتري .

                                                                                                                        28165 - وقال زفر : إذا ولدت الجارية في يد المشتري أو زوجها ، أو وطئت بشبهة ، فأخذ لها مهرا ، أو جنى عليها جان ، فأخذ لها أرشا ، ثم اطلع على عيب ، فإنه يردها ، ويرد ذلك كله معها ، فإن وطئها هو ، ردها ، وعقرها إذا ردها بقضاء قاض .

                                                                                                                        28166 - قال : وكذلك الشجر ، والنخل .

                                                                                                                        28167 - وإن ولدت رد ما نقصتها الولادة معها ، ومع الولد على البائع .

                                                                                                                        28168 - ولو أكل الثمرة رد قيمة ما أكل على البائع .

                                                                                                                        28169 - وقال عثمان البتي ، وعبيد الله بن الحسن فيمن اشترى عبدا ، أو سلعة ، ثم ظهر على عيب ، فإن أراد أن يرده رد الغلة معه .

                                                                                                                        [ ص: 61 ] 28170 - قال عبيد الله : ولو وهب العبد هبة ردها على البائع مع العبد .

                                                                                                                        28171 - قال أبو عمر : أما زفر وأصحابه ، وعثمان البتي ، وعبيد الله بن الحسن ، فقد جهلوا السنة المأثورة من نقل أهل المدينة في أن الخراج ، والغلة بالضمان ، وقالوا بالرأي على غير سنة ، فقولهم مردود بها ، وأشنع ما في مذهبهم أنهم جعلوا الغلة في المغصوب بالضمان فأخطئوا السنة ، والله المستعان .

                                                                                                                        28172 - وقال الشافعي : لا يرد شيئا مما حدث عنده ، ولم يقع عليه الصفقة ، وسواء في ذلك الكسب ، والغلة ، والثمرة ، والولد ، وكلما وقعت عليه صفقة الشراء ردها إذا رد الجارية بالعيب .

                                                                                                                        28173 - هذا حكم الرد بالعيب عنده : وأما الاستحقاق ، فإنه يرد عليه النخل وولد الجارية .

                                                                                                                        فإذا اشترى الجارية غير حامل وزوجها ، وولدت عنده ، ثم وجد عيبا ، فردها به لم يرد ولدها معها .

                                                                                                                        28174 - قال الشافعي : بين عندنا - والله أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الخراج بالضمان للمشتري في رجل يشتري عبدا فاستغله ، ثم وجد به عيبا ، فرده به ; لأن المشتري كان مالكا للعبد ، ولو هلك كانت مصيبته منه وكان الخراج إنما هلك في ملكه ، لا في ملك البائع ، ولم تقع عليه الصفقة ، وكذلك الولد لو [ ص: 62 ] حدث في ملك المشتري ، وهو مالك ضامن للجارية ، ولو هلكت هلكت من ماله ، ولو كانت حبلى حين ابتاعها ردها ، وولدها وكذلك ثمن الحائط ، لا فرق بين شيء من ذلك .

                                                                                                                        28175 - ويقول الشافعي في هذا كله : قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وسائر أهل الحديث .

                                                                                                                        28176 - وفرقوا بين الغصب والشراء ، والفرق بين ذلك بين ما فيه ، والحمد لله ، وسيأتي ما في المغصوب في بابه من الأقضية - إن شاء الله عز وجل .

                                                                                                                        28177 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني أحمد بن مروان ، قال : حدثني علي ، قال : حدثني خالد بن مسلم ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رجلا ابتاع غلاما ، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ، ثم وجد به عيبا ، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فرده عليه ، فقال الرجل : يا رسول الله ! قد اشتغل غلامي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الخراج بالضمان " .

                                                                                                                        [ ص: 63 ] 28178 - وحدثني عبد الوارث بن سفيان قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال حدثني محمد بن إسماعيل ، وأبو يحيى بن أبي ميسرة ، قالا : حدثني محمد بن عبد الله ، قال : حدثني مسلم بن خالد الزنجي ، عن هشام بن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخراج بالضمان " .

                                                                                                                        28179 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال حدثني أحمد بن حماد ببغداد ، قال : حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي ، قال : حدثني مسلم بن خالد الزنجي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رجلا اشترى غلاما ، فرده بعيب ، فقال الرجل : قد استغله يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الغلة بالضمان " .

                                                                                                                        28180 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني بكر بن حماد ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن أبي ذئب ، عن مخلد بن خفاف بن أنمار ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الخراج بالضمان " .




                                                                                                                        الخدمات العلمية