الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 180 ] ( 15 ) باب بيع الفاكهة 28668 - قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا ، أن من ابتاع شيئا من الفاكهة ، من رطبها أو يابسها ، فإنه لا يبيعه حتى يستوفيه ، ولا يباع شيء منها بعضه ببعض ، إلا يدا بيد ، وما كان منهما مما ييبس ، فيصير فاكهة يابسة تدخر وتؤكل ، فلا يباع بعضه ببعض ، إلا يدا بيد ومثلا بمثل ، إذا كان من صنف واحد ; فإن كان من صنفين مختلفين ، فلا بأس أن يباع منه اثنان بواحد ، يدا بيد ، ولا يصلح إلى أجل ، وما كان منها مما لا ييبس ولا يدخر وإنما يؤكل رطبا ، كهيئة البطيخ والقثاء والخربز والجزر والأترج والموز والرمان وما كان مثله ; وإن يبس لم يكن فاكهة بعد ذلك ، وليس هو مما يدخر ويكون فاكهة . قال : فأراه حقيقا أن يؤخذ منه من صنف واحد ، اثنان بواحد ، يدا بيد ، فإذا لم يدخل فيه شيء من الأجل ، فإنه لا بأس به .

التالي السابق


28669 - قال أبو عمر : أما بيع الفاكهة رطبها ، ويابسها ، فلا أعلم خلافا بين فقهاء العراق ، والحجاز ، والشام ، والمشرق ، والمغرب أنه لا يباع شيء منها قبل القبض ، وهو الاستيفاء ، وقبض الشيء منها أن يبرأ البائع منه إلى مبتاعه ، ويمكنه من قبضه .

[ ص: 181 ] 28670 - والأصل في ذلك نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفي .

28671 - وسيأتي هذا الحديث في موضعه من هذا الكتاب ، والقول فيه - إن شاء الله عز وجل .

28672 - وما يدخر من المأكول ، وما لا يدخر طعام كله ، فواجب ألا يباع شيء منه حتى يستوفى .

28673 - وأما التفاضل في المأكول ، والمشروب : 28674 - فالذي ذهب إليه مالك ، وأصحابه في ذلك هو أن كل ما يؤكل أو يشرب إذا كان يدخر ، وييبس في الأغلب ، فإن الربا فيها يدخله إذا كان واحدا من وجهين ، وهما : التفاضل ، والنسيئة ، فإن كانا جنسين مختلفين ، فلا ربا فيهما إلا في النسيئة ، وجائز بيع بعض ذلك ببعض متفاضلا يدا بيد .

28675 - وأما ما لا ييبس ، ولا يدخر مثل التفاح والإجاص ، والكمثرى ، والرمان ، والخوخ ، والموز ، والبطيخ ، وما أشبه ذلك مما قد اختلفت أسماؤه ، فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد ، جنسا واحدا كان ، أو جنسين .

28676 - والجنس هو الصنف عندهم ، فالرمان صنف غير التفاح ، والتفاح صنف غير الخوخ ، وما أشبه ذلك على عرف الناس .

[ ص: 182 ] 28677 - وأصل ما ذهب إليه مالك في ذلك ما نقلته الكافة ، وروته الجماعة من نقل العدول من حديث عبادة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، يدا بيد ، ومن زاد ، أو ازداد ، فقد أربى ، وبيع الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد " .

28678 - فلم يذكر من الطعام إلا ما يدخر ، وييبس ، وحرم في الجنس الواحد التفاضل ، والنسيئة معا ، وفي الجنس حرم النسيئة فقط ، وبالله التوفيق .

28679 - وأما الشافعي ، فالمأكول كله ، والمشروب كله كان مما يدخر ، أو لم يكن : لا يجوز عنده شيء منه بشيء من جنسه ، وصنفه متفاضلا ; لا يجوز عنده رمانة برمانتين ، ولا تفاحة بتفاحتين ، ولا بطيخة ببطيختين يدا بيد ، ويدخله الربا في الجنس الواحد في الوجهين : النسيئة والتفاضل ، على حسب ما هو عند مالك فيما يدخر من الطعام ، فإذا اختلف الجنسان جازا ، متفاضلين يدا بيد ، والطعام المدخر ، وغير المدخر ، والمقتات ، وغير المقتات من المأكولات عنده سواء ، لا يجوز منه شيء بأكثر من وزنه إن كان يوزن ، أو كيله إن كان يكال ، وفي [ ص: 183 ] الجنس الواحد ، وإذا اختلف الجنسان جاز التفاضل دون النسيئة .

28680 - والخلاف بينه وبين مالك في هذا الباب إنما هو فيما يدخر من الفاكهة وما أشبهها .

28681 - واختلف قول مالك ، وأصحابه في البيض على قولين .

28682 - ( أحدهما ) : أنه لا يجوز فيه التفاضل يدا بيد .

28683 - ( والأخرى ) : أنه يجوز متفاضلا يدا بيد .

28684 - والمشهور من مذهبه أن البيض مما يدخر لا يجوز منه واحدة باثنتين ، وأجاز بيع الصغير بالكبير منه .

28685 - وقال في بيض الدجاج ، والإوز وبيض النعام : إذا تحرى أن يكون مثلا بمثل جاز .

28686 - وأما أبو حنيفة ، وأصحابه ، فالجنس عندهم بانفراده تحرم فيه النسيئة .

28687 - وكذلك الكيل والوزن ، كل واحد منها بانفراده تحرم فيه النسيئة .

28688 - وأما التفاضل ، فلا يحرم إلا بإجماع الجنس والكيل والوزن ، فلا يجوز عندهم العصفر بالعصفر ، ولا القطن بالقطن ، ولا الحديد بالحديد إلا مثلا بمثل ، [ ص: 184 ] يدا بيد كالمأكول عند الجميع من الجنس الواحد ، فإن اختلف الجنسان جاز فيهما التفاضل دون النسيئة كالذهب والورق .

28689 - وروي عن عمار بن ياسر من طريق ليس بالقوي جدا أنه قال : كل ما كيل ، أو وزن ، ألا يباع صنف منه بصنف آخر إلا مثلا بمثل ، وما لا يكال ، ولا يوزن ، فلا ربا فيه إلا في النسيئة .

28690 - وهو قول إبراهيم .

28691 - وأجاز أبو حنيفة ، وأصحابه بيع تمرة بتمرتين ، وبيضة ببيضتين ، وجوزة بجوزتين إذا كانت شيئا بعينه قد خرج على الكيل والوزن .

28692 - وهو قول الأوزاعي في البيضة بالبيضتين ، والجوزة بالجوزتين .

28693 - وقال الشافعي ، والثوري : لا يجوز تمرة بتمرتين ، ولا بتمرة أكبر منها ; لأن الأصل في التمر تحريم التفاضل .

28694 - واحتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة ، والتمرتين يلزمه فيها القيمة دون المثل ، لأنه لا مكيل ، ولا موزون ; لأن أصله الكيل ، ولا يدرك بالكيل ، ولا يصرف المكيل عندهم إلى الوزن .

28695 - وقال ابن أبي ليلى : لا يجوز رطل سمك برطلين .

[ ص: 185 ] 28696 - وأما أحمد بن حنبل ، فقال : لا أنظر في هذا الباب إلى الكيل ، والوزن إذا كان مما لا يؤكل ، ولا يشرب ، ولا ينظر إلى ما يؤكل ، أو يشرب إذا كان مما لا يأخذه الكيل والوزن ، وإنما الربا فيما يكال ، أو يوزن مما يؤكل ، أو يشرب على قول سعيد بن المسيب ، وما عدا ذلك ، فلا بأس به يدا بيد . ونسيئة .

28697 - وهذا كان قول الشافعي ببغداد ، ثم ضم بمصر إلى ما يكال ، أو يوزن ما لا يؤكل ، أو يشرب ، وإن كان مما لا يوزن ولا يكال ; لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل .

28698 - وهذا محمول على الجنس الواحد بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالورق ، والبر بالشعير ، كيف شئتم يدا بيد إلا ما اختلفت ألوانه " ، وسنذكر الحديث في ذلك في باب بيع الطعام بالطعام - إن شاء الله عز وجل .

28699 - قال أبو عمر : قول سعيد بن المسيب : لا ربا إلا في كذا يدل على أن ذلك توقيف ، لا رؤيا ، والله أعلم .

وسيأتي حديثه ذلك في موضعه - إن شاء الله عز وجل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث