الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 494 ] ( باب المرابحة والتولية ) .

قال ( المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح [ ص: 495 ] والتولية نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح ) [ ص: 496 ] والبيعان جائزان ; [ ص: 497 ] لاستجماع شرائط الجواز ، والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع ; لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما ، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن الخيانة وعن شبهتها ، وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر رضي الله عنه بعيرين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ولني أحدهما ، فقال : هو لك بغير شيء ، فقال عليه الصلاة والسلام : أما بغير ثمن فلا } .

التالي السابق


( باب المرابحة والتولية ) . ( قوله : المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح [ ص: 495 ] والتولية نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح ) أورد عليه ما لو باع دنانير اشتراها بدراهم مرابحة لا يجوز مع صدق التعريف عليه ، وأجيب عنه في بعض المواضع بأنه بيع مرابحة ، وكونه لا يجوز شيء آخر ، واعلم أن معنى السؤال المرابحة جائزة بلا استثناء شيء ، وهذا من مما صدقاته فيجب أن يجوز لكنه لا يجوز .

والجواب عنه بأن المراد [ ص: 496 ] نقل ما ملكه مما هو ببيع متعين بدلالة قوله بالثمن الأول ، فإن كون مقابله ثمنا مطلقا يفيد أن ما ملكه بالضرورة مبيع مطلقا ثم إنما لم تجز المرابحة في ذلك ; لأن بدلي الصرف لا يتعينان فلم تكن عين هذه الدنانير متعينة لتلزم مبيعا ، والذي يلزم وروده على التقدير الذي صححنا به الإيراد ما إذا اشتراه بثمن نسيئة لا يجوز أن يرابح عليه مع أنه يصدق النقل بالثمن الأول إلا أن يقال إذا كان فيه أجل فالثمن الأول بمقابلة شيئين فلم يصدق في أحدهما أنه بمثل الثمن الأول ، والحق أنه وارد على الطرد ، وكون المرابحة غير صحيحة هو معنى عدم وجودها شرعا فيرد السؤال ، وعلى عكسه مسائل : الأولى ما إذا أبق العبد المغصوب فقضي بقيمته على الغاصب ثم عاب للغاصب أن يبيعه مرابحة على القيمة التي أداها فهذا بيع مرابحة ، ولا يصدق عليه نقل ما ملكه بالثمن الأول ، وكذا إذا باعه مرابحة بما قام عليه .

وكذا لو ملكه بهبة أو إرث أو وصية وقومه قيمته ثم باعه مرابحة على تلك القيمة أنه يجوز ، وصورة هذه المسألة أن يقول : قيمته كذا أو رقمه كذا فأرابحك على القيمة أو رقمه ، ومعنى الرقم أن يكتب على الثوب المشترى مقدارا سواء كان قدر الثمن أو أزيد ثم يرابحه عليه ، وهو إذا قال رقمه كذا وهو صادق لم يكن خائنا ، فإن غبن المشتري فيه فمن قبل جهله ، وأجيب بما حاصله أن الغصب ملحق بالمعاوضات ، ولذا صح إقرار المأذون به لما كان إقراره بالمعاوضات جائزا فالقيمة بالقضاء بها بمنزلة الثمن الذي اشترى به .

وصرح في الفتاوى الكبرى في مسألة الغصب أنه يقول قام علي كذا ، وجواب الثانية يأتي في هذا الكتاب ، والثالثة ما ذكرنا من أن مبنى المرابحة على عدم الخيانة ، وهو إذا قال قيمته كذا أو رقمه كذا وهو صادق لم يكن خائنا ، والحق أنه لا يدفع ما على عكس الحد ، وهو أن المرابحة نقل ما ملكه بالثمن الأول مع زيادة ربح ولا ثمن سابق أصلا ، والله أعلم ، ومما يرد أيضا ما إذا كان رأس المال عبدا مثلا فباع المبيع مرابحة على العبد ممن صار إليه العبد بربح معين فإنه يجوز مرابحة ، ولا يصدق عليه أنه بمثل الثمن الأول فإنه بعينه لا بمثله ، ويجاب بأن هذا العبد في حكم عبد آخر ; لأن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأعيان .

( قوله والبيعان جائزان ) استدل على جوازهما بالمعنى وعلى التولية بالنص فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره ، وفي التولية أحاديث لا شبهة فيها : منها ما أخرج عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { التولية والإقالة والشركة سواء } لا بأس به ، ولا خلاف في مرسل سعيد : أخبرنا ابن جريج عن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مستفاضا بالمدينة قال { من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه ، إلا أن يشرك فيه أو يوليه أو يقيله } وحديث أبي بكر الذي ذكره المصنف في البخاري عن عائشة .

وفيه { إن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم : خذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين ، فقال صلى الله عليه وسلم : بالثمن } أخرجه في بدء الخلق ، وفي مسند أحمد قال صلى الله عليه وسلم { قد أخذتها بالثمن } وفي الطبقات لابن سعد : { وكان أبو بكر قد اشتراها بثمانمائة درهم من نعم بني قشير فأخذ إحداهما وهي القصواء } ، فما رواه المصنف يصح بالمعنى ، وتفصيله قريب مما ذكر ابن إسحاق في السيرة قال فيها { فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أفضلهما ثم قال له : اركب فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : فهي لك يا رسول الله ، قال : لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا ، قال : قد أخذتها بذلك ، قال هي لك يا رسول الله ، فركبا وانطلقا } .

ذكر السهيلي عن بعض أهل [ ص: 497 ] العلم ، أنه سئل لم لم يقبلها إلا بالثمن { وقد أنفق عليه أبو بكر أضعاف ذلك ، وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنتي عشرة أوقية حين قال له أبو بكر : ألا تبني بأهلك يا رسول الله ؟ فقال : لولا الصداق ، فدفع إليه ثنتي عشرة أوقية ونشا } ، والنش هنا عشرون درهما ؟ { قال : إنما فعل لتكون الهجرة منه صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله رغبة منه صلى الله عليه وسلم في استكمال فضل الهجرة إلى الله تعالى ، وأن يكون على أتم أحوالها } ، وهو جواب حسن .

وأما المعنى فهو قوله ( لاستجماع شرائط الجواز ) ولما لم يكف ثبوت الشرائط في الشرعية أفاد علتها بقوله ( والحاجة ماسة إلى هذا النوع من التصرف ; لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد ) على ( فعل المهتدي وتطيب بنفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما ) ولا يخفى أنه لا يحتاج إلى دليل خاص لجوازهما بعد الدليل المثبت لجواز البيع مطلقا بما تراضيا عليه بعد أن لا يخل بما علم شرطا للصحة ، بل دليل شرعية البيع مطلقا بشروطه المعلومة هو دليل جوازهما ، إذ لا زيادة فيهما إلا اقترانهما بإخبار خاص ، إذ حاصله أنه يبيعه بثمن كذا مخبرا بأن ذلك الثمن الذي اشتريت به أو مع زيادة لا أرضى بدونها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث